تَقْدِمَةٌ قبل التَّرْجَمَةِ للإِمَامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ:
يقول الشيخ محمد بن عبد العزيز:"لقدْ تَعَمَّدتُّ ذِكْر الجزء الأكبر مِمَّا ذكره الذين تَرْجَمُوا للإِمَامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَا يتعلق بفتنة"خَلْقِ القُرْآنِ"؛ تلك الفتنة التي كَادَتْ أَنْ تُوْدِي بِالدِّينِ وتقتلعه من جذوره وتُمَكِّن للمبتدعة والخارجين عن الملة. ويكفي قول الإمَامِ عَليِّ بْنِ الْمَدِينِيّ"شيخ البُخَارِيّ":"إنَّ اللهَ أيَّدَ هذا الدِّينِ بأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وبأَحْمَد بنِ حَنْبَل يَوْمَ المِحْنَةِ". وهذه القصة تحمل فِي طَيَّاتِها العديد من الدُّرُوسِ التي نحن الآن فِي أمَسِّ الحاجة لاستيعابِهَا ومقارنتها بِما نَحْنُ فيه؛ لأَنَّ التاريخ يعيد نفسه ولكن بصورة أَسْوَأ وأنْكَى وأفْظَع من التَّجَارُبِ السَّابِقَةِ التي مَرَّتْ على الأُمَّةِ؛ تلك التَّجَارُب التي كنا نعدها صفحاتٍ سوداءَ لا نتخيل المرور بِمثلها في حياتنا؛ فَضَلًا عن أسوأ منها!"
وأَوَّلُ هذه الدُّرُوسِ وأَهَمُّها: هو وُجُوبُ ثَبَاتِ العُلَمَاءِ المُخْلِصِينَ فِي مُواجَهَةِ البَاطِلِ مَهْمَا كانت التَّضْحِيَاتُ التي يُقَدِّمُونَهَا لأنَّهُم هُمُ الحِصْنُ الحَصِينُ والدِّرْعُ المَتِينُ للأُمَّةِ، ولا يَجُوزُ لهم الاسْتِسْلامُ للوَاقِعِ مِهْمَا كانت بَشَاعَتُهُ وقُوَّتُهُ؛ وهُمْ يَرَوْنَ البَاطِلَ قَدْ تَجَبَّرَ؛ وفُرِضَ على المُسْلِمِينَ فَرْضًَا؛ ولا يَتَّبِعُونَ سَيَاسَةَ دَفْنِ الرُّؤوسِ فِي الرِّمَالِ والتَّمْسُّحِ بِبَعْضِ الآيَاتِ والأَحَادِيثِ التي تُبِيحُ للمُضْطَرِ أَنْ يَلْجَأ إلى"التَّقِيَّةُ"للحِفَاظِ على أرْوَاحِهِم أو مُمْتَلَكَاتِهِم أو وَظَائِفِهِم! وفِي هذا يقُولُ العَلَّامةُ أحْمَدُ شَاكِرٍ رَحِمْهُ اللهُ:"التَّقِيَّةُ إِنَّمَا تَجُوزُ للمُسْتَضْعَفِينَ الذين يَخْشَوْنَ أنْ لا يَثْبُتُوا على الحَقِّ، والذين لَيْسُوا بِمَوْضِعِ القُدْوَةِ للنَّاسِ، وهَؤُلاءِ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِالرُّخْصَةِ. أمَّا أُولو العَزْمِ من الأَئِمَّةِ الهُدَاةِ، فإنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِالعَزِيمَةِ، ويَحْتَمِلُونَ الأَذَى ويَثْبُتُونَ، وفِي سَبِيلِ اللهِ مَا يَلْقُونَ. ولَوْ أنَّهُمْ أَخَذُوا بِالتَّقِيَّةِ، واسْتَسَاغُوا الرُّخْصَةَ لَضَلَّ النَّاسُ من وَرَائِهِم، يَقْتَدُونَ بِهِم، ولا يَعْلَمُون أنَّ هذه تَقِيَّةٌ. وقَدْ أُتِيَ المُسْلِمُونَ من ضَعْفِ عُلَمَائِهِم فِي مَوَاقِفِ الحَقِّ، لا يَصْدَعُونَ بِمَا يُؤْمَرُونَ، يُجَامِلُونَ فِي دِينِهِم وفِي الحَقِّ، لا يُجَامِلُونَ المُلُوكَ والحُكَّامُ فَقَطْ، بَلْ يُجَامِلُونَ كُلَّ مَنْ طَلَبُوا مِنْهُ نَفْعًَا، أو خَافُوا ضُرًَّا فِي الحَقِيرِ والجَلِيلِ من أمْرِ الدُّنْيَا؛ وكُلُّ أَمْرِ الدُّنْيَا حَقِيرٌ. فَكَانَ من ضَعْفِ المُسْلِمِينَ بِضَعْفِ عُلَمَائِهِم مَا نَرَى. ولقَدْ قَالَ رَجُلٌ من أئِمَةِ هذا العَصْرِ المُهْتَدِينَ، فِيمَا كتب إليَّ أبِي رَحِمَهُ اللهُ، من خِطَابٍ سِياسِيٍّ عَظِيمٍ، فِي جُمَادَى الأُوْلَى سنة 1337، قال:"كَأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَبْلُغُهُم من هِدَايةِ كِتَابِهِم فِيمَا يَغْشَاهُم من ظُلُمَاتِ الحَوَادِثِ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ثُمَّ أُصِيبُوا بِجُنُونِ التَّأْوِيلِ فِيمَا سِوَى ذلك، ولَسْتُ أدْرِي وقَدْ فَهِمُوا مِنْهَا مَا فَهِمُوا! كَيْفَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الجِهَادِ، وهو إتْلافٌ للنَّفْسِ والمَالِ؟! وَكَيْفَ يَفْهَمُونَ تَعَرَّضُهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصُنُوفِ البَلاءِ والإيِذَاءِ!؟ ولِمَاذَا يُؤْمِنُونَ بِكَرَامَةِ الشُّهْدَاءِ والصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ على اللهِ؟!"اهـ."
ثانيًا: أَنَّ العُلَمَاءَ الرَّبَانِيِّينَ يَتَعَاَلَوْنَ على سَفَاسِفِ الدُّنْيَا وزُخْرُفِهَا ولا يَأبَهُونَ بِالإِغْراءَاتِ والحُثَالاتِ التي يَرْمِيهَا إلَيْهِمِ الحُكَّامُ المُسْتَبِدُّونَ المُبَدِّلُونَ لِشَرْعِ اللهِ؛ حُمَاةُ الابْتَدَاعِ فِي الدِّينِ والفِسْقِ والفَسَادِ فِي الأَرْضِ. فَهَا هو الإِمَامُ