فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 2668

أحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ رغم ما تَعَرَّضَ له من إِيذَاءِ لا يُحْتَمَلُ فِي بَدَنِهِ وإفْلاسٍ فِي مَالِهِ وضِيقٌ فِي عَيْشِهِ؛ إلا أنَّهُ كان يَتَوَرَّعُ عن قُبُولِ هَدَايَا السُّلْطَان ويَرْفُضُ أَنْ يَبِيعَ دِينه وعقيدته بأمْوَالِ الدُّنْيَا كُلِّهَا: فَقَدْ جَعَلَ ابْنُ أَبِي دُوَادَ"قاضي قضاة المعتصم"يَقُوْلُ:"يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، وَاللهِ لَئِنْ أَجَابَكَ، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَلفِ دِيْنَارٍ، وَمائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ، فَيَعُدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَعُدَّ". ورَغَمَ عِظَمِ هذه المغريات وشِدَّةِ حاجته إلى اليسير منها إلا أنَّهُ كان يَرْفُضُهَا ولو اضْطُرَّ لِقُبُولِهَا كان يوزعها على الفقراء والمحتاجين ولا يُبْقِي منها شَيْئًَا لا لنفسه ولا لعياله؛ بالإضافة إلى تَمَسُّكِهِ باتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي أَحْرَجِ اللَّحَظَاتِ وأَدَّقِهَا بينما كان بين الحَيَاةِ والمَوْتِ. قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ:"ذَهَبَ عَقْلِي مِرَارًا، فَكَانَ إِذَا رُفعَ عَنِّي الضَّربُ، رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَإِذَا اسْتَرْخَيْتُ وَسَقَطَتُّ، رُفِعَ الضَّرَبُ، أَصَابَنِي ذَلِكَ مِرَارًَا".

ثَالِثًَا: أَنَّ فتنة السَّعْيِّ لبَقَاءِ المُلْكِ أو السُّلْطَةِ أو الوُصُولِ إليهما قَدْ تَدْفَعُ الإنْسَانَ لِفُقْدَانِ إنْسَانِّيَّتِهِ وتُحَوِّلُهُ إلى وَحْشٍ كَاسِرٍ لا تُؤَثِّرُ فيه آهَاتُ وصَرَخَاتُ ودُمُوعُ ودِمَاءُ ضَحَايَاهُ؛ خَاصَّةً إذا كان حَوْلُهُ ثُلَّةً من المَجْرِمِينَ سَفَلَةِ السَّفَلَةِ الذين يَبِيعُونَ دِينَهُم ودُنْيَاهُم بِدُنْيَا غَيْرِهِم، وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلاَ خَلِيفَةً إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالًا مَنْ يوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ"قال الحاكم:"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ". يقول الإمام أحمد رحمه الله: فَأُدْخِلتُ عَلَى إِسْحَاقَ بن إبراهيم، فَقَالَ:"يَا أَحْمَدُ، إِنَّهَا -وَاللهِ- نَفْسُك، إِنَّهُ لاَ يَقْتُلُكَ بِالسَّيْفِ، إِنَّهُ قَدْ آلَى - إِنْ لَمْ تُجبْه - أَنْ يَضْرِبَكَ ضَربًا بَعْدَ ضَربٍ، وَأَنْ يَقْتُلكَ فِي مَوْضِعٍ لاَ يُرَى فِيْهِ شَمْسٌ وَلاَ قَمَرٌ"؛ وَقَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي (الإمام أحمد) : وَلَمَّا جِيءَ بِالسِّيَاطِ، نظرَ إِلَيْهَا المُعْتَصِمُ، فَقَالَ: ائتُونِي بِغَيْرِهَا. وَقَالَ لِلْجلاَّدِ: تَقَدَّمْ، وَأوْجِعْ، قطعَ اللهُ يدَك. فَجَعَلَ يتقدمُ إِلَيَّ الرَّجُلُ مِنْهُم، فيَضْرِبنِي سَوْطَيْنِ، فَيَقُوْلُ لَهُ: شُدَّ، قَطعَ اللهُ يدكَ! ثُمَّ يَتَنَحَّى وَيتَقَدَّمُ آخرُ، فيَضْرِبنِي سَوْطَيْنِ، وَهُوَ يَقُوْلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ: شُدَّ، قطعَ اللهُ يدَك! يقُولُ عَزَّ وجَلَّ:"وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وأمَّا بطانته فقد قال أشْقَاهُم:"يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، دمُه فِي عُنُقِي، اقْتُلْهُ". ذَكرُوا أَنَّ المُعْتَصِمَ ألاَنَ فِي أَمرِ أَحْمَدَ لَمَّا عُلِّقَ فِي العُقَابَيْنِ، وَرَأَى ثبَاتَه وَتصمِيمَه وَصلاَبتَه، حَتَّى أَغرَاهُ أَحْمَدُ بنُ أَبِي دُوَادَ (قاضي القضاة) !!، وَقَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، إِنْ تَركتَه، قِيْلَ: قَدْ تَرَكَ مَذْهَبَ المَأْمُوْنِ، وَسَخِطَ قَوْلَهُ. فَهَاجَهُ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبِهِ. وقال ابْنُ أَبِي دُوَادَ:"يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، هُوَ -وَاللهِ- ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ!"وكَأنَّهُ يَنْطَبِقُ عليه القَوْلُ المَأثُورُ:"رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ". وعندما قال له المُعْتَصِمُ:"لَقَدِ ارتكبتُ إِثْمًا فِي أَمرِ هَذَا الرَّجُلِ". قَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، إِنَّهُ -وَاللهِ- كَافِرٌ مُشرِكٌ، قَدْ أَشرَكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ فَلاَ يزَالُ بِهِ حَتَّى يَصرِفَه عَمَّا يُرِيْدُ (من العفو عن الإمام أحمد) !".

رابعًا: الكِبْرُ الذي يَحْيَاهُ كُلُّ ذِي سُلْطَانٍ لا يَعْرِف قَدْرَ نَفْسِهِ ولا قَدْرَ خَالِقِهِ فَيَتَجَبَّر ويَطْغَى؛ يَتَّضِحُ ذلك من قَوْلِ المُعْتَصِمِ للإِمَامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ:"مَا كُنْتَ تَعْرِفُ صَالِحًا الرَّشِيْدِيَّ؟ قُلْتُ (أيْ الإِمَامُ أحْمَد) : قَدْ سَمِعْتُ بِهِ. قَالَ (المُعْتَصِمُ) : كَانَ مُؤَدِّبِي، وَكَانَ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ جَالِسًا - وَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الدَّارِ - فَسَألنِي عَنِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت