758 -عن أبِي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ"."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
758 -الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ وَأَحْمَد وابْن مَاجَة.
معنى الحديث: هذا حديث قدسي يرويه نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه عَزَّ وَجَلَّ أنَّه"قَالَ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ"قَالَ بن التِّينِ:"هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصْمٌ لِجَمِيعِ الظَّالِمِينَ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْدِيدَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالتَّصْرِيحِ"اهـ. وذلك لأنَّ الخصم عدو لخصمه، قوي العداوة له، شديد الكراهة له، والمعنى: أنَّ هؤلاء الثَّلاثة من أهل الكبائر سوف يَتَعَرَّضُون يوم القيامة لأَشَدِّ العقوبة، لأنَّهم أعداء لله، خصوم له، والخصم مكروه مبغوض عند خصمه، إذا ظفر به عاقبه أشد العقوبة، فكيف بِمَنْ كان اللهُ خَصْمَهُ؛ ولهذا قال فِي رواية:"ومَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ" (1) ؛ كما فِي بعض الرِّوايات."لأنَّهُ العزيز القهار المنتقم الجبار يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ". أمّا هؤلاءِ الثَّلاثَة:
فأولهم: رجل عاهد عهدًا وحلف بالله على الوفاء به، ثم غدر بالرَّجُلِ الذي عاهده، وخانه ونقض العهد الذي بَيْنَه وبينه.
والثَّانِي: رَجلٌ اغْتَصَبَ رجلًا حرًا أو جحد عتقهُ له، ثُمَّ بَاعَهُ وأَكَلَ ثَمَنَهُ،"قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اعْتِبَادُ الْحُرِّ يَقَعُ بِأَمْرَيْنِ أَنْ يَعْتِقَهُ ثُمَّ يَكْتُمَ ذَلِكَ أَوْ يَجْحَدَ وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْأَوَّلُ أَشَدُّهُمَا قُلْتُ وَحَدِيثُ الْبَابِ أَشَدُّ لِأَنَّ فِيهِ مَعَ كَتْمِ الْعِتْقِ أَوْ جَحْدِهِ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنَ الْبَيْعِ وَأَكْلِ الثَّمَنِ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ أَشَدَّ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَإِنَّمَا كَانَ إِثْمُهُ شَدِيدًا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَكْفَاءُ فِي الْحُرِّيَّةِ فَمَنْ بَاعَ حُرًّا فَقَدْ مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ فِيمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ وَأَلْزَمَهُ الذُّلَّ الَّذِي أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ وَقَالَ بن الْجَوْزِيِّ الْحُرُّ عَبْدُ اللَّهِ فَمَنْ جَنَى عَلَيْهِ فخصمه سَيّده"اهـ (2) .
والثالث: رجل استخدم غيره فِي عمل له مقابل أجر معين، فاسْتَوْفَى منه عمله، ومنعه أجرته.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: ما ترجم لَهُ البُخَارِيّ: وهو إِثْمُ من منع أجر الأجير، وأنَّه كبيرةٌ من الكبائر، ولولا أنَّه كبيرةٌ لما تَرَتَّب عليه هذا الوعيد الشَّدِيدُ.
ثَانِيًَا: أنَّ هذه الجرائم الثَّلاث المذكورة كلها كبائر.