وقد كانت هذه الغزوة فِي شَوَّالٍ من السَّنَةِ الخَامِسَةِ من الهجرة الموافق لشهر فبراير 627 م، وذلك أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أجلى بني النَّضير خرج نفر من أشرافهم، منهم حيي بن أخطب إلى مَكَّة يُحَرِّضون قريشًا على حرب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووعدوهم بأنَّهم سيكونون معهم حتى يستأصلوه، وما زالوا بِهِم حتَّى وافقوا على محاربته، ثُمَّ ذهبوا إلى بني سليم وغطفان، ودعوهم إلى مشاركتهم فِي هذه الحرب، وأعلموهم أَنَّ قُرَيْشًَا بايعوهم، فوافقوا، فجهزت قريش أربعة آلاف مقاتل وخرجوا بقيادة أبِي سُفيان، ووافتهم بنو سليم بِمَرِّ الظَهْرَان بسبعمائة بقيادة سفيان بن عبد شمس، وخرجت بنو أسد وغطفان وفزارة وبنو مُرَّة قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:"فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ، وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ، وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، فِي بَنِي فَزَارَةَ. وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرّيّ، فِي بَنِي مُرّةَ. وَمِسْعَرُ بْنُ رُخَيْلَةَ بْنِ نُوَيْرَةَ، فِيمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَشْجَعَ". حتَّى بَلَغَ المَجْمُوعُ عَشْرَةُ آلافِ مُقَاتِلٍ.
حَفْرُ الخَنْدَقِ: ولَمَّا بَلَغَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبأ هذه الجموع التي جاءت لمحاربته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ندب النَّاس، وشاورهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بِحَفْرِ خَنْدَقٍ تجاه العَدُوِّ ليكون بِمَثَابَةِ خَطٍّ دِفَاعِيٍّ يتحصنون به من عدوهم، فأعجب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، وضرب الخندق على المدينة، قال الأستاذ الأَنْصَاريّ:"وقد تم حفره من شَمَالي المدينة الشرقي إلى غربها، فالخندق كما نتخيل كان يشكل نصف دائرة، طرفها الغربي يقع غربي مسجد المصلى"مسجد الغمامة"والشرقي عند مبدأ حرة واقم"اهـ. قال المطري:"وقد عفا أثره اليوم، أي فِي القرن الثَّامن الهجري. لأنَّ وادي بطحان استولى على موضع الخندق، وصار مسيله فِي الخندق"اهـ.
ترجمة الغزوة نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يكنى أبا سلمة الْأَشْجَعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْن بَكْر بْن أشجع. صحابيّ مشهور، له ذكر في البُخَارِيّ، أسلم ليالي الخندق، وهو الّذي أوقع الخلف بين الحيين قريظة وغطفان في وقعة الخندق، وَاخْتَلَفَ أَمَرُهُمْ وَتَفَرَّقُوا ورحلوا عن المدينة. فَكَانَ نُعَيْمٌ يَقُولُ: أَنَا خَذَّلْتُ بَيْنَ الأَحْزَابِ حَتَّى تَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ وَأَنَا أَمِينُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سِرِّهِ؛ وَكَانَ صَحِيحَ الإِسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَهَاجَرَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَسَكَنَ الْمَدِينَةَ. وَوَلَدُهُ بِهَا. وَكَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى تبوك إلى