فهرس الكتاب

الصفحة 2439 من 2668

"كِتَابُ المَرْضَى"

قال ابن القيم:"الْمَرَضُ نَوْعَانِ: مَرَضُ الْقُلُوبِ، وَمَرَضُ الْأَبَدَانِ، وَهُمَا مَذْكُورَانِ فِي الْقُرْآنِ."

وَمَرَضُ الْقُلُوبِ: نَوْعَانِ: مَرَضُ شُبْهَةٍ وَشَكٍّ، وَمَرَضُ شَهْوَةٍ وَغَيٍّ، وَكِلَاهُمَا فِي الْقُرْآنِ.

قَالَ تَعَالَى فِي مَرَضِ الشُّبْهَةِ:"فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا". وَقَالَ تَعَالَى:"وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا". وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ مَنْ دُعِيَ إِلَى تَحْكِيمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَأَبَى وَأَعْرَضَ:"وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، فهذا مَرَض الشُّبْهَات والشُّكُوك.

وأما مرض الشهوات، فَقَالَ تَعَالَى:"يَا نِسَاءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ"؛ فَهَذَا مَرَضُ شَهْوَةِ الزِّنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَرَضُ الْأَبَدَانِ، فَقَالَ تَعَالَى:"لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ". وَذَكَرَ مَرَضَ الْبَدَنِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالْوُضُوءِ لِسِرٍّ بَدِيعٍ يُبَيِّنُ لَكَ عَظَمَةَ الْقُرْآنِ، وَالِاسْتِغْنَاءَ بِهِ لِمَنْ فَهِمَهُ وَعَقَلَهُ عَنْ سِوَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوَاعِدَ طِبِّ الْأَبْدَانِ ثَلَاثَةٌ: حِفْظُ الصِّحَّةِ، وَالْحِمْيَةُ عَنِ الْمُؤْذِي، وَاسْتِفْرَاغُ الْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ، فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأُصُولَ (1) الثَّلَاثَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ"اهـ (2) ."

وفي هذا يقول الدكتور عادل الأزهرى:"إنَّ هذا القِسْم فيه من الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ مَا لَمْ يتوصل إليه الأطباء إلّا حديثًا فِي منتصف القرن الثَّامِنَ عَشْر، فَقَدْ قُسِّمَتْ الأَمْرَاضُ عُمُومًَا إلى قِسْمَيْنِ:"

الأَوَّلُ: الأَمْرَاضُ العِضْوِيَّة التي تَنْتُج عَنْ عَدَمِ أَدَاءِ أيِّ جُزْءٍ من أَجْزَاءِ الجِسْمِ وَظِيفَتَهُ كَامِلَةً، أو تَوَقُّفَهُ عن العمل بِالكُلِّية، أو تَنْتُج عَنْ دُخُولِ مَيِكْرُوبَاتٍ مُخْتَلِفَةِ الأَنْوَاعِ إلى الجِسْمِ، وتَصُيبُ أَيَّ عُضْوٍ فيه بِالتَّلَفِ.

الثَّانِي: الأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةِ، وهي فِي الحقيقة أعْرَاضُ أمْرَاضٍ متنوعة وكثيرة جدًا، يشعر بها المريض مع عدم وجود أيِّ مَرَضٍ عِضْوِيٍّ فِي جِسْمِهِ، وهذه الأمْرَاضُ تَحْدُثُ عن مُؤَثِّرَاتٍ خارجية فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ مثل الخَوْفِ والشَكِّ والغَرَامِ وعَدَم الاكْتِفَاءِ الجِنْسِي، وكَثْرَةُ الإِجْهَادِ وهذا هو مَرَضُ القُلُوبِ كما ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى"."

ولا شَكَّ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ قد عَالَجُوا الأَمْرَاضَ النَّفْسِيَّةِ عِلاَجًا نَاجِحًَا لَمْ يَصِلْ إليه عُلَمَاءُ النَّفْسِ رَغْمَ هذا التَّطَوْرِ الكبير الذي وصل إليه هذا العلم، يقول ابن القيم:"فَأَمَّا طِبُّ الْقُلُوبِ، فَمُسَلَّمٌ إِلَى الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حُصُولِهِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت