264 -عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّضْرِ (الراوي) : لاَ أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً"."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
264 -الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ"أي لو يعلم من يجرؤ على المُرُورِ عَمْدًا أمام المُصَلِّي ما يَتَرَتَّبْ على ذلك من العقوبةِ الشَّدِيدَةِ؛"لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ"أيْ لفَضَّلَ أنْ يقف هذه المُدَّةِ الطويلةِ التي أَبْهَمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المرور بين يديه، لأَنَّ العَاقِلَ يَخْتَارُ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ. قال الرَّاوِي:"لاَ أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً" (1) وإِنَّمَا أبْهَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه العقوبة في قوله:"مَاذَا عَلَيْهِ"للدِّلالَةِ على أنَّ عُقُوْبَةَ المُرُورِ أمَامَ المُصَلِّي عُقُوْبَةٌ عظيمةٌ لا يمكن أنْ يَتَصَوُّرَهَا العقل البشري ولا يعلم مداها إلاّ اللهُ سُبْحَانَهُ، فهو كقوله تَعَالَى: (الْحَاقَّةُ(1) مَا الْحَاقَّةُ) و (الْقَارِعَةُ(1) مَا الْقَارِعَةُ).
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: تَحْريمُ المرور أمام المُصَلِّي:"قال فِي"الْمُسْتَوْعِبِ":"إنْ احْتَاجَ إلَى الْمُرُورِ أَلْقَى شَيْئًا ثُمَّ مَرَّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَلِّي سُتْرَةٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْمُرُورُ (فَفِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ) مِنْ قَدَمِ الْمُصَلِّي" (2) وهو مذهب أحْمَدَ. وقال فِي"الخلاصة الفقهية":"وَيَأْثَم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي إِنْ كَانَت لَهُ مندوحة عَنْ الْمُرُورِ كَمَا يَأْثَم الْمُصَلِّي الظَّان الْمُرُور أَمَامه وَلم يتَّخذ سُتْرَةً"اهـ (3) ."
ثانيًا: أَنَّ الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَذْمُوم، وفاعله مرتكب الْإِثْم."وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم الْمُرُور، فَإِنَّ فِي الحَدِيثِ النَّهْي الأَكِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ، فَيَدُلُّ على ذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: (لَوْ يَعَلَمُ) أَنَّ الْإِثْمَ يَخْتَصُّ بِمن يعلم بالمنهي وارتكبه" (4) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ".
(1) وقد جاء في رواية البزار عن أبي جهيم نفسه أنَّه قال:"أَرْبَعيِنَ خَرِيفًَا".
(2) "شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى": [فَصْلٌ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ] ج 2 ص 211.
(3) "الخلاصة الفقهية على مذهب السَّادة المالكية":"خُلَاصَة فَرَائض الصَّلَاة وسننها ومندوباتها" ج 1 ص 87.
(4) "عمدة القاري":ج 4 ص 294.