"نَيْلِ الأَوْطَارِ":"قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَال بِهَا وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَةً، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ: الْمُدَافَعَةُ"اهـ (2) ."وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَدْفَعْهُ، وَلَا الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ فِي الصَّلاةِ مِنَ الْمُرُورِ؛ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَرَّ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا يَرُدُّهُ لِأَنَّ فِيهِ إِعَادَةً لِلْمُرُورِ؛ ... وقَالَ النَّوَوِيُّ:"لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ هَذَا الدَّفْعِ؛ بَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ وَصَرَّحَ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِوُجُوبِه"؛ِ وَكَأَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يُرَاجِعْ كَلَامَهُمْ أَوْ لَمْ يَعْتَدْ بِخِلَافِهِمْ"اهـ (3) .
ثانيًا: مشروعية اتخاذ السُّتْرَةِ وَهِيَ سُنَّة عند أحْمَدَ ومستحبة عند الجمهور لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث الباب:"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ"ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن عمر:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تُصَلِّ إِلَّا إِلَى سُتْرَةٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنْ أَبَى فَلْتُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ" (4) ."
ثالثًا: تَحْرِيمُ المرور بين يدي المُصَلِّي إذا كان له سُتْرَةٌ، وهو مذهب مَالكٍ حيث قال:"يَحْرُمُ المُرُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ إذا كَانَ لَهُ سُتْرَةً، وللمَارِّ مَنْدُوحَةً"، وَقَالَ أحْمَدُ:"يَحْرُمُ مُطْلَقًَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُتْرَة"، ويؤيده الحديث الآتي.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَلْيَدْفَعْهُ".
(1) "فتح الباري"لابن حجر: ج 1 ص 584.
(2) "نيل الأوطار":"بَابُ دَفْعِ الْمَارِّ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ"ج 3 ص 10.
(3) "فتح الباري"لابن حجر: ج 1 ص 584.
(4) رواه ابن حبان وابن خزيمة فِي صحيحيهما، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيّ فِي"تَمَام المِنَّة".