الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ"."
"قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلاَمِ"أي حتى علوت لمستوى أسمع، فيه حركة أقلام الملائكة وهي تكتب الْوَحْيّ والأقدار. قال أنس بن مالك: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ .."أي لا تقدر على أداء خَمْسِينَ صَلاَةً في كل يوم وليلة،"فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا"أي نقَّصَ جزءًا منها، وما زال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يراجع ربه، والرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ يُنْقِصُ مِنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ حتى صَارَتْ خَمْسًَا،"فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ"أي خمس في عددها"وَهِيَ خَمْسُونَ"فِي مُضَاعَفَةِ ثوابها"لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ"أي هذا هو قَضَاءُ اللهِ تَعَالَى وَوَعْدَهُ الذي لا يقبل التَّخَلُّف."حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ"أيْ أسلاك اللُّؤْلُؤِ المَنْظُومِ؛"وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: أنَّ الصَّلواتِ الخَمْسِ فُرِضَتْ فِي السَّمَواتِ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ، كما ترجم له البُخَارِيّ، وأجمع عليه أهل العلم، إلاّ أنَّهم اختلفوا فِي تاريِخِهِ، فقيل قبل الهجرة بعام وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ. وقال الزُّهْرِيّ وابن اسحاق: قبل الهجرة بِخَمْسَةِ أَعْوَامٍ ورَجَّحَهُ القاري. حتى وصلت إلى عشرة أقوال.
ثانيًا: إثباتُ الإِسْراء والمعراج، والرَّاجِحُ الذي عليه الجمهور أنَّه كان يَقَظَةً لا مَنَامًَا، وبِالرُّوحِ والجَسَدِ معًا لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّة، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ"فإنَّ هذا لا يكاد يسمعه أحَدٌ إلاّ تبادر إلى ذهنه أنَّ الإِسْرَاءَ والمِعْرَاجَ بالرُّوحِ والجَسَدِ.
والمطابقة: في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً".
(1) قال في"مسند أحمد ط الرسالة":"إسناده صحيح على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وأخرجه ابن خزيمة (302) ، وابن منده في"الإيمان" (717) من طريق عفان بن مسلم، بهذا الإسناد."
(2) "عمدة القاري":"بَابٌ: كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلاَةُ فِي الإِسْرَاءِ؟"ج 4 ص 42.
(3) والسين هنا إمّا أنْ تكون للطلب، أي أنَّ المَلَك حاول إخراج القلب من الصَّدْرِ، وعمل ذلك حتى أخرجه، أو لتأكيد الفعل.
(4) وورد في وصفه أنَّه يضم حافره عند منتهى طرفه.
(5) "ابن سيده: إِمَامُ اللُّغَةِ أَبُو الحَسَنِ؛ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيْلَ المُرسِيُّ، الضَّرِيرُ صَاحِبُ كِتَابِ"المُحْكَم"فِي لِسَانِ العَرَبِ وَأَحَدُ مَنْ يُضْرَبُ بذكَائِهِ المَثَل. قَالَ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِي: دَخَلتُ مُرْسِية فَتشبَّثَ بِي أهلها ليسمعوا عليَّ غَرِيْب المُصَنَّف فَقُلْتُ: انْظُرُوا مَنْ يَقرَأُ لَكُم وَأُمسك أَنَا كِتَابِي فَأَتونِي بِإِنْسَان أَعْمَى يُعْرَفُ بِابْنِ سِيْده فَقَرَأَهُ عليَّ كُلَّهُ فَعجبتُ مِنْ حِفْظِهِ. قَالَ: وَكَانَ أَعْمَى ابْنَ أَعْمَى. قُلْتُ: وَكَانَ أَبُوْهُ أَيْضًا لغويًا فَأَخَذَ عَنْ، أَبِيْهِ وَعَنْ صَاعِد بن الحَسَنِ. قَالَ الحُمَيْدِيُّ: هو إمام في اللغة"