أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانِ أَنَّ الْجِهَادَ بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ، كَذَا أطْلَقَ، وَلَكِن فِيهِ خِلافٌ وتَفْصِيلٌ، فَلذَلِك أَبْهَم فَقَالَ أَكْثَرُ أهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُم الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنَّه لَا يَخْرُجُ إِلَى الْغَزْوِ إلاَّ بِإِذْنِ وَالِدَيْهِ مَا لَمْ تَقَعْ ضَرُورَةٌ وَقُوَّة الْعَدُوِّ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تَعَيَّنَ الْفَرْض على الْجَمِيعِ وَزَالَ الِاخْتِيَارُ وَوَجَبَ الْجِهَادُ على الْكُلِّ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِذْنِ من وَالِدٍ وَسَيِّدٍ.
872 -عَنْ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاس الشَّاعِرَ، وَكَانَ - لاَ يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ:"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
872 -ترجمة راوي الحديث أَبُو الْعَبَّاس الشَّاعِرُ، الْأَعْمَى المَكِّيّ. وَاسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ مَوْلًى لِبَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عَدِيِّ؛ وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ وَكَانَ بِمَكَّة زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهَوَاهُ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ. أخرج البُخَارِيّ فِي الصَّوْم والتَّوْحِيد وغزوة الطَّائِف وَالْأَدب وَغير مَوضِعٍ، عَن حبيب بن أبي ثَابت وَعَمْرو بن دِينَار وَعَطَاء بن أبي رِبَاح عَنهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَعبد الله بن عَمْرو". سئل يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْهُ فقال:"مَكْيٌّ ثِقَةٌ". وَثَّقَه أَحْمد، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. وَتُوفِّي فِي حُدُود الْمِائَة."
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ
معنى الحديث: أنَّ رجلًا من أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جاهمة بن الْعَبَّاس بن مرداس (1) جاء إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُه فِي الجِهَادِ، فسأله النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أبويه هل هما لا يزالان على قيد الحياة؟"قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ"الفاء الأولى واقعة في جواب شَرْطٍ مَحْذوفٍ، والثانية جزائية لتَضَمُّنِ الكلام معنى الشَّرْطُ، أي إذا كان الأمر كما قلت فاختص المجاهدة فِي خدمتهما، قال الصَّنْعَانِيّ:"سَمَّى إتْعَابَ النَّفْسِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْأَبَوَيْنِ وَإِزْعَاجِهَا فِي طَلَبِ مَا يُرْضِيهِمَا وَبَذْلَ الْمَالِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمَا جِهَادًا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً بِعَلَاقَةِ الضِّدِّيَّةِ لِأَنَّ الْجِهَادَ فِيهِ إنْزَالُ الضَّرَرِ بِالْأَعْدَاءِ وَاسْتُعْمِلَ فِي إنْزَالِ النَّفْعِ بِالْوَالِدَيْنِ"اهـ (2) .