وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّه لا يَجُوزُ الجِهَادُ إلّا بإِذْنِ الأَبَوَيْنِ (إذا كان الجهاد: جهاد طلب أو فرض كفاية) ، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ"حيث أمره ببرهما وجهاد النفس فِي القيام بخدمتهما وإرضائهما وطاعتهما، وأصرح منه فِي وجوب اسْتِئْذَانِهِمَا حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ:"أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟» قَالَ: أَبَوَاىَ. قَالَ:"أَذِنَا لَكَ؟"قال: لا. قَالَ:"ارْجِع فَاستَأذِنْهُمَا، فَإنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (3) ."
قال الصَّنْعَانِيّ:"وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجِهَادُ عَلَى الْوَلَدِ إذَا مَنَعَهُ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا (فَإِنْ قِيلَ) بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ أَيْضًا وَالْجِهَادُ عِنْدَ تَعْيِينِهِ فَرْضُ عَيْنٍ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فَمَا وَجْهُ تَقْدِيمِ الْجِهَادِ؟ (قُلْت) : لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ أَعَمُّ إذْ هِيَ لِحِفْظِ الدِّينِ وَالدِّفَاعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَمَصْلَحَتُهُ عَامَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا وَهُوَ يُقَدَّمُ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِ الْبَدَنِ"اهـ (4) .
ثانيًا: قَالَ فِي الْفَتْحِ:"وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ السَّفَرِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِأَنَّ الْجِهَادَ إِذَا مُنِعَ مَعَ فَضِيلَتِهِ فَالسَّفَرُ الْمُبَاحُ أَوْلَى؛ نَعَمْ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِتَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ حَيْثُ يتَعَيَّن السَّفَرِ طَرِيقًا إِلَيْهِ فَلَا مَنْعَ؛ وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَفِيهِ خِلَافٌ" (5) .
ثالثًا: قَالَ فِي الْفَتْحِ:"وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَتَعْظِيمُ حَقِّهِمَا وَكَثْرَةُ الثَّوَابِ عَلَى بِرِّهِمَا"اهـ (6) . وقد صَرَّحَ فِي حديث آخر بأنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَل من الجِهَادِ كما جاء في رواية عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو:"أَنَّ رَجُلًا أتَى رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَألَهُ عَنْ أفْضَلِ الأعْمَالِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الصَّلاَةُ". قَالَ: ثُمّ مَهْ؟ قَالَ:"ثُمّ الصَّلاَةُ". قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ:"ثُمَّ الصَّلاَةُ". ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ:"الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". قَالَ: فَإِنَّ لِي وَالِدَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"آمُرُكَ بِوَالِدَيْكَ خَيْرًا"أَخْرَجَهُ ابن حِبَّان (7) . فَقَدْ دَلَّ هذا الحديث على أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَل؛ اللَّهُم إذا كان الجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ، فإنَّه يقدم عليه."
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ دَلِيلًا على التَّرْجَمَةِ.
(1) هو جَاهِمَةُ بْنُ الْعَبَّاس بْنِ مِرْدَاسٍ السَّلَفي الحجازي؛ أَبُو معاوية. روى عنه ابنه معاوية بن جاهمة. وَقَدْ أَسْلَمَ وَصَحِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وروى عَنْهُ حديثًا واحدًا.
(2) "سبل السلام": [الْجِهَاد مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا] ج 2 ص 461.