854 -"بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ"وَخَيْبَرُ مَدِينَةٌ فِي شَمَالِ المدينة المنورة، على بعد سبعين ميلًا""
وغَزْوَةُ خَيْبَرَ كانت جَائِزَةً من الله (1) لأَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وأصْحَابِ بَيْعَةِ الرِّضْوان، فبشرهم عَزَّ وَجَلَّ بالفتح القريب فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وكانت مقدمة هذه الفتوح والمغانم غَزْوَةَ خَيْبَرَ، وكانت خَيْبَرُ كما يقول الشيخ الندوي:"مستعمرة يهودية، وكانوا يتآمرون مع القبائل العربية لغَزْوِ المَدِينَةِ، فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَأْمَن مِنْ جِهَتِهِم، فخرج إليهم فِي شَهْرِ المُحَرَّمِ من السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وأقَبْلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَيْشِهِ وكانوا ألْفًَا وأرْبَعِمَائِةٍ، ونَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرَّجِيعِ بين اليَهُودِ وغَطَفَان، لِيَحُولَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ، فَقَدْ كانوا مُظَاهِرِينَ لَهُم، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا غزى قَوْمًَا لَمْ يَغْزُهُمْ حتَّى يُصْبِحَ، فإذا سَمِعَ أَذَانًَا أَمْسَكَ، فَبَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى إذا أَصْبَحَ لَمْ يَسْمَعْ أذانًا، فَرَكِبَ وَرَكِبَ القُوْمُ"اهـ (2) . قال فِي"زاد المعاد":"وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ صَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ أَهْلُ خَيْبَرَ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، وَلَا يَشْعُرُونَ، بَلْ خَرَجُوا لِأَرْضِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْجَيْشَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، ثُمَّ رَجَعُوا هَارِبِينَ إِلَى حُصُونِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» ) اهـ (3) ."وَتَدَنَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْوَالَ يَأْخُذُهَا مَالًا مَالًا، وَيَفْتَتِحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوَّلُ حُصُونِهِمْ اُفْتُتِحَ حِصْنُ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رحى فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ الْقَمُوصُ، حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ سَبَايَا، مِنْهُنَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَبِنْتَيْ عَمٍّ لَهَا، فَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ. وَكَانَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ، فَلَمَّا أَصْفَاهَا لِنَفْسِهِ أَعْطَاهُ ابْنَتَيْ عَمِّهَا، وَفَشَتْ السَّبَايَا مِنْ خَيْبَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ"اهـ (4) ."
وأتى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِصْنَ"القموص"، قَالَ: فَبَرَزَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ (5) بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيٌّ وهو يقول: