وقال ابن القيم فِي"زاد المعاد":"هَذِهِ الْهُدْنَةَ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفَّارِ، وَبَادَءُوهُمْ بِالدَّعْوَةِ وَأَسْمَعُوهُمُ الْقُرْآنَ، وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ، وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُخْتَفِيًا بِالْإِسْلَامِ، وَدَخَلَ فِيهِ فِي مُدَّةَ الْهُدْنَةِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْخُلَ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا"اهـ (3) . قال الندوي:"ودَلَّتْ الحَوَادِثُ الأخِيْرَةُ على أَنَّ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ الذي تَنَازَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لِقُبُولِ كُلِّ مَا أَلَحَّتْ عليه قُرَيْشٌ، ورَأَوْا فيه انْتِصَارًا لهم ومَكْسَبًا، وتَحَمَّلَهُ المُسْلِمُونَ فِي قُوَّةِ إِيْمَانِهِم، وشِدَّةِ طَاعَتِهِم للرَّسُولِ، كان فتح باب جديد لانْتِصَارِ الإِسْلامِ، وانْتِشَارِهِ فِي جزيرة العرب بِسِرُعَةٍ لَمْ تُسْبَقْ، وكَانَ بَابًا إلى فَتْحِ مَكَّةَ، ودعوة مُلُوكِ العَالَمِ كقيصر وكسرى والمُقَوْقِس والنَّجَاشِيّ وأمراء العرب. كما كان من مكاسب هذا الصّلح اعْتِرَافَ قُرَيْشٍ بِمَكَانَةِ المُسَلِمِينَ، وتَسْلِيمِهِم لَهُم كَفَريِقٍ قَوِّيٍّ كَرِيمٍ، تُبْرَمُ معه المُعَاهَدَات، ويُتَّفَقُ مَعَهُ على مُفَاوَضَاتٍ، ثُمّ كان من أفْضَلِ ثِمَارِ هذا الصُّلْح الهُّدْنَةَ، التي اسْتَرَاحَ فِيها المُسِلِمُونَ عن الحُرُوبِ التي لا أَوّل لَهَا ولا آخِر، والتي شَغَلَتْهًم واسْتَهْلَكَتْ قِوَّتَهُم، فاسْتَطَاعُوا فِي هذه الفَتْرَةِ السِّلْمِيَّةِ، أَنْ يقوموا بِدَعْوَةِ الإسْلامِ، فِي ظلّ الأَمْنِ والسَّلامِ، وفِي جَوٍّ من الهُدُوءِ والسَّكِينَةِ"اهـ (4) .
ثَانِيًَا: مُعْجِزَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّاهِرَة التي تَبْدُو لنا وَاضِحَةً فِي تَوَاجِدِ المَاءِ فِي البِئْرِ بعد أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ".
(1) قوله:"يعقل شيئًا"أي يَفْهَمُ الأَشْيَاءَ فَهْمًَا صَحِيْحًَا.
(2) "سيرة ابن هشام ت السقا": (تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ) ج 2 ص 322.
(3) "زاد المعاد":"فِي الْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِ الْحِكَمِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْهُدْنَةُ"ج 3 ص 275.
(4) "السيرة النبوية"للندوي:"كيف تَحَوُّلَ الصُّلْحُ إلى الفَتْحِ والنَّصْرِ؟"ج 1 ص 386.