997 -عَنِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ:"تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّة، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّة فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَالحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ «دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
997 -الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةَ يَتَحَدَّثُونَ عن فَتْحِ مَكَّةَ، ويُفَسِّرُونَ به الفَتْحَ المُبِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: إنَّكُم تَرَوْنَ أَنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ فِي الآيَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وقد كان فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًَا عَظِيمًَا للمُسْلِمِينَ، حَيْثُ أصْبَحَتْ به مَكَّةُ دَارَ إسْلامٍ، وطَهَّرَ اللهُ فِيهِ بَيْتَهُ الحَرَامُ من الشِّرْكِ وعِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَصَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، ولكننا نرى أنَّ الفتح المبين المذكور فِي الآية هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ البَرَاءُ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِهِ:"أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَنَزَلُوا عَلَى بِئْرٍ فَنَزَحُوهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى البِئْرَ وَقَعَدَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ قَالَ: «ائْتُونِي بِدَلْوٍ مِنْ مَائِهَا» ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ فَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: «دَعُوهَا سَاعَةً» . فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا"؛ وهذا كُلُّهُ بِفَضْلِ بَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ كان فتحًا عظيمًا للمُسْلِمين، ولذلك وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا، وأنزل فيه قوله عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ."يَقُولُ الزُّهْرِيِّ: فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، إنَّمَا كَانَ الْقِتَالُ حَيْثُ الْتَقَى النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ، وَوُضِعَتْ الْحَرْبُ، وَآمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْتَقَوْا فَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنَازَعَةِ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدٌ بِالْإِسْلَامِ يَعْقِلُ (1) شَيْئًا إلَّا دَخَلَ فِيهِ، وَلَقَدْ دَخَلَ فِي تِينِكَ السَّنَتَيْنِ مِثْلُ مَنْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إِلَى الحُدَيْبِيَةِ فِي ألف وَأَرْبع مائَة، فِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ"اهـ (2) .