قَالَ العَيْنِيُّ:"أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْبيعَة فِي الْحَرْب على أَن لَا يَفروا، وَقَالَ بَعْضُهُم:"على المَوْتِ"أَي: الْبيعَة فِي الْحَرْب على الْمَوْت، وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَا تنَافِي بَين الرِّوَايَتَيْنِ لاحْتِمَال أَنْ يكون ذَلِك فِي مقامين".
869 -عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ»، فَسَأَلْتُ نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ، عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: «لاَ، بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
869 -الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
معنى الحديث: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يقول:"رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ"أي رجعنا إلى مَكَّة معتمرين عُمْرَة القَضَاء في العام الذي يلي عام الحُدَيْبِيَةِ، وذلك فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ من الهجرة"فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ"أي فإذا شَجَرَةُ الرِّضْوَانَ قد اخْتَفَتْ آثارها، ولَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ، واختلفنا فِي تحديد موضعها، فلم يتفق منَّا اثْنَان على تَحْدِيدِ مَكَانِهَا، قال النَّوَوِيّ:"قَالَ العُلَمَاءُ سَبَب خَفَائِها أنْ لا يُفْتَتَنَ النَّاسُ بِهَا لِمَا جَرَى تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ وَنُزُولِ الرِّضْوَانِ وَالسَّكِينَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْ بَقِيَتْ ظَاهِرَةً مَعْلُومَةً لَخِيفَ تَعْظِيمُ الْأَعْرَابِ وَالْجُهَّالِ إِيَّاهَا وَعِبَادَتُهُمْ لَهَا؛ فَكَانَ خَفَاؤُهَا رَحْمَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى"اهـ (1) ."كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ"أي وكانت موضع رَحْمَةٍ لنا ورضوان مِنَ اللهِ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) . وَقَوْلُه:"عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ؟"يعني بأي صِيْغَةٍ بَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"عَلَى المَوْتِ؟"بِحَذْفِ هَمْزَةِ الاسْتِفْهَامِ تقديره: أَعَلَى المَوْتِ؟ يعني: هل بَايَعَهُمْ عَلَى المَوْتِ؟"قَالَ: لاَ، بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ"يعني بايَعَهُم على الصَّبْرِ على الأعداء، والثَّبَات فِي الحرب، والاستمرار فيها، وأنْ لا يَفِرُّوا من المعركة.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: مَشْرُوعِيَّةُ المُبَايَعَةِ فِي الحَرْبِ، سيما فِي المعارك الخطيرة على الصَّبْرِ، وعَدَمِ الفِرَارِ، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ. قال النووي:"وفِي رِوَايَةٍ عن بْنِ عُمَرَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ:"الْبَيْعَةُ عَلَى الصَّبْرِ"قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَجْمَعُ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا وَتُبَيِّنُ مَقْصُودَ كُلِّ الرِّوَايَاتِ فَالْبَيْعَةُ:"عَلَى أنْ لا نَفِرَّ"مَعْنَاهُ الصَّبْرُ حَتَّى نَظْفَرَ بِعَدُوِّنَا أَوْ نُقْتَلَ؛ وَهُوَ مَعْنَى:"الْبَيْعَةِ