النَّاسِ، وَقَالَ:"لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَسْتَحِي مِنْ النَّاسِ"، وذلك لأَنَّ النَّاسَ لا يَعْلَمُونَ عُذْرَهُ؛ أَمَّا رَبُّهُ فَإِنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَيَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ كَمَالِ الْمُرُوءَةِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ.
والثالث: حَيَاءُ المَرْءِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَكُونُ بِالْعِفَّةِ وَصِيَانَةِ الْخَلَوَاتِ. وذَلِكَ يَنْشَأُ عن مَعْرِفَةِ المَرْءِ قَدْرَ نَفْسِهِ، أو تَكْرِيِمهِ لَهَا، ولهذا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لِيَكُنْ اسْتِحْيَاؤُك مِنْ نَفْسِك أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْيَائِكَ مِنْ غَيْرِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَنْ عَمِلَ فِي السِّرِّ عَمَلًا يَسْتَحِي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَلَيْسَ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ قَدْرٌ"اهـ (6) ."
مطابقة الحديث للتَّرْجَمَةِ: فِي قَوْلِهِ"الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً"حيث دلَّ ذلك على أَنَّ الإيمان أمور كثيرة، ومنها أعْمَال الجَوَارِحِ.
(1) وَخَصَّه الخليل بسبعة (أي أنَّه بمنزلة السبعة ومعناها، فيعامل معاملتها فِي التَّذكير والتَّأنيث، فيذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر، فيقال:"بضعة رجال وبضع نسوة"أي سبعة رجال وسبع نسوة) .
(2) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح":"باب الإيمان"ج 1 ص 69 - 70.
(3) "فيض الباري على صحيح البُخَارِيّ":"بَابُ أُمُورِ الإِيمَانِ"ج 1 ص 152.
(4) هو الْإِمَامُ الْجَلِيلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ إِمَامِ الشَّافِعِيِّينَ بِبُخَارَى؛ وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وكان مولده بجرجان سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وحُمل إلى بُخارى صغيرًا، وقيل: بلُ ولِد بِبُخَارَى. وكان رئيس أصحاب الحديث، وله وجوه حَسَنة فِي المذهب. قال فِي"طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة"الطبقة الثامنة: (الْحُسَيْن بن الْحسن بن مُحَمَّد بن حَلِيم القَاضِي أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ البُخَارِيّ قَالَ الْحَاكِم: أوْحَدُ الشَّافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر وأنظرهم وآدبهم بعد أستاذيه أَبُو بكر الْقفال والأودني انْتهى. وَكَانَ مُقَدَّمًَا فَاضِلًا كَبِيرًا لَهُ مصنفات مفيدة ينْقل مِنْهَا الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ كثيرًا وَقَالَ فِي النِّهَايَة: كَانَ الْحَلِيمِيّ رَجُلًا عَظِيم الْقَدْرِ لَا يُحِيط بكنه علمه إِلَّا غَوَّاصٌ. ولد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة؛ وَمَات فِي جُمَادَى وَقيل فِي ربيع الأول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة. وَمن تصانيفه:"شعب الْإِيمَان"كتابٌ جَليلٌ فِي نَحْو ثَلَاث مجلدات يشْتَمل على مسَائِل فقهية وَغَيرهَا تتَعَلَّق بأصول الْإِيمَان وآيات السَّاعَة وأحوال الْقِيَامَة؛ وَفِيه مَعَاني غَرِيبَة لَا تُوجد فِي غَيره) اهـ.
(5) قال فِي"جامع الأصول":"قال التِّرْمِذِيّ: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وأبي بكرة وأبي أمامة وعمران بن حصين"اهـ. وقال فِي"التَّرْغيب والتَّرْهيب لقوام السُّنَّة":"قال الإمام:"البذاء": الفحش في المنطق وقلة الحياء. و"الجفاء": سوء الأدب، وترك الأخذ بأدب الله وأدب الرَّسول"اهـ.
(6) "أدب الدُّنْيَا والدِّين"للماوردي: [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْحِيَاء] ج 1 ص 248 - 250.