فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 2668

فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِ التَّدْلِيسِ والمُدَلِّسُينَ:

قال"ابن الصلاح":

"التَّدْلِيسُ (1) قِسْمَانِ (2) :"

أحدُهُما: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ عَمَّنْ لَقِيَهُ ما لَمْ يَسْمَعْهُ منهُ، مُوهِمًا أنَّهُ سَمِعَهُ منهُ (3) ، أو عَمَّنْ عاصَرَهُ ولَمْ يَلْقَهُ، مُوهِمًا أنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ منهُ. ثُمَّ قدْ يكونُ بينَهُما واحِدٌ وقدْ يكونُ أكثرُ. ومِنْ شَأنِهِ أنْ لا يقولَ فِي ذلكَ: (( أخبرنا فلانٌ ) )، ولا (( حدَّثنا ) )، وما أشبَهَهُما. وإنَّما يقولُ: (( قالَ فلانٌ أو عَنْ فلانٍ ) )، ونحوَ ذلكَ. مثالُ ذلكَ: (( ما رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بنِ خَشْرَمٍ قالَ: كُنَّا عندَ ابنِ عُيينةَ، فقالَ: (( الزُّهْرِيُّ ) )، فقيلَ لهُ: (( حَدَّثَكُمُ الزُّهْرِيُّ؟ ) )، فسَكَتَ، ثُمَّ قالَ: (( الزُّهْرِيُّ ) )، فقيلَ لهُ: (( سَمِعْتَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ؟ ) )، فقالَ: (( لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، ولا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، حدَّثَني عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ) (4) .

القسمُ الثَّانِي: تدليسُ الشيوخِ: وهوَ أنْ يرويَ عَنْ شيخٍ حديثًا سَمِعَهُ مِنْهُ، فيُسَمِّيَهُ، أو يَكْنِيَهُ أو يَنْسُبَهُ، أو يَصِفَهُ بِما لا يُعْرَفُ بهِ كيْ لا يُعرَفُ (5) ، مِثالُهُ: ما رُويَ لنا عَنْ أبي بكرِ بنِ مجاهِدٍ الإمامِ المقرئِ أنَّهُ رَوَى عَنْ أبي بكرٍ عبدِ اللهِ بنِ أبي داودَ السِّجِسْتانيِّ، فقالَ: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ أبِي عبدِ اللهِ، وروى عَنْ أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحسنِ النَّقَّاشِ (6) الْمُفَسِّرِ المُقرئِ فقالَ: (( حدَّثَنا محمدُ بنُ سَنَدٍ، نسبَهُ إلى جدٍّ لهُ ) ) (7) ، واللهُ أعلمُ.

أمَّا القسمُ الأوَّلُ فمكروهٌ جدًّا، ذمَّهُ أكثَرُ العلماءِ (8) ، وكانَ شُعبةُ مِنْ أشدِّهِم ذَمًّا لهُ، فرُوِّيْنا عَنِ الشافعيِّ الإمامِ، عنهُ (9) أنَّهُ قالَ: (( التدليسُ أخو الكَذِبِ ) ) (10) . ورُوِّيْنا عنهُ أنَّهُ قالَ: (( لأنْ أزنيَ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أُدَلِّسَ ) ) (11) ، وهذا مِنْ شُعبَةَ إفراطٌ محمولٌ على المبالغةِ فِي الزَّجْرِ عنهُ والتَّنْفِيرِ (12) .

ثُمَّ اختلفُوا فِي قَبولِ روايةِ مَنْ عُرِفَ بهذا التدليسِ فجعلَهُ فريقٌ مِنْ أهلِ الحديثِ والفقهاءِ مجروحًا بذلكَ، وقالوا: لا تُقبَلُ روايتُهُ بحالٍ، بَيَّنَ السَّمَاعَ أوْ لَمْ يُبَيِّنْ. والصحيحُ التفصيلُ: وأنَّ ما رواهُ المدلِّسُ بلفظٍ مُحتَملٍ لَمْ يُبَيِّنْ فيهِ السماعَ والاتِّصالَ، حُكْمُهُ حُكْمُ المرسَلِ وأنواعِهِ (13) ، وما رواهُ بلفظٍ مُبيِّنٍ للاتِّصالِ، نحوُ: (( سَمِعْتُ، وحدَّثَنا، وأخبَرَنا ) )وأشباهِها، فهو مقبولٌ محتجٌّ بهِ. وفِي"الصَّحِيحَيْنِ"وغَيْرِهِما مِنَ الكُتُبِ المعتمدةِ مِنْ حديثِ هذا الضَّرْبِ كثيرٌ جدًّا، كقتادةَ، والأعمشِ، والسُّفيَانَيْنِ، وهُشَيْمِ بنِ بَشِيْرٍ، وغيرِهِمْ (14) .

وقال في"التَّدْلِيسُ والمُدَلِّسُونَ"للشيخ حَمَّاد الأنْصَاريِّ:

(التَّدْليسُ في اللغة: هو التَّلْبِيسُ والتَّغْطِيَةُ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّلَسِ -محركة- وهو الظَّلامُ. وفي الاصطلاح: أن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه بلفظ يوهم السماع(كعن، وقال، وأن) ، ووجه الشَّبه بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أنَّ الظُّلْمَةَ تغطي ما فيها كما أن المدلس يغطي المروي عنه فكأنَّه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت