البُدْنَ: جَمْعُ بَدَنَةٌ وهي الواحد من الإِبِلِ ذَكَرًَا كَانَ أوْ أُنْثَى، والمُرَادُ بِهِ الهَدْيُ (1) .
627 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ «ارْكَبْهَا» فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» فِي الثَّالِثَة أَوْ فِي الثَّانِيَةِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
627 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد النَّسَائِيّ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً"أيْ يَسُوقُ أَمَامَهُ بَعِيرًَا للهَدْي وهو مَاشٍ على قَدَمَيْهِ"فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» "أَيْ فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرُكُوبِهَا،"قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ"أيْ إنَّهَا بَدَنَةٌ مُهْدَاةٌ إلى الكَعْبَةِ فَكَيْفَ أرْكَبُهَا؟!"قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» ! فِي الثَّالِثَة أَوْ فِي الثَّانِيَةِ"وأَصْلُ الوَيْلِ العَذَابِ الشَّدِيدِ، وهو غير مقصود، وإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُغْلِظْ لَهُ فِي القَوْلِ لِيَرْكَبَهَا."قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْهُ تَرْكَ رُكُوبِهَا عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي السَّائِبَةِ، وَغَيْرِهَا، فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَعَلَى الْحَالَتَيْنِ فَهِيَ دُعَاءٌ، وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا: وَالْأَمْرُ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْإِرْشَادِ؛ لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِتَوَقُّفِهِ عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ الِامْتِثَالَ عِنَادًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ غُرْمٌ بِرُكُوبِهَا، أَوْ إِثْمٌ، وَأَنَّ الْإِذْنَ بِرُكُوبِهَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَغْلَظَ لَهُ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى هَلَكَةٍ مِنَ الْجُهْدِ، وَوَيْلٌ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ، فَالْمَعْنَى أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَكَةِ فَارْكَبْ، فَعَلَى هَذَا هِيَ إِخْبَارٌ، وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَةٌ تُدَعِّمُ بِهَا الْعَرَبُ كَلَامَهَا، وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِمْ: لَا أُمَّ لَكَ" (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
جَوَازُ رُكُوبِ الهَدْي مُطْلَقًَا لِحَاجَةٍ أوْ لغَيْرِ حَاجَةٍ وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ. وقَالَ أحْمَدُ والشَّافِعِيُّ: يَجُوُزُ عند الحَاجَةِ لحديثِ أَنَسٍ قَالَ:"رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً"أَخْرَجَهُ أحمد (3) ، وهو رواية عن مالك. وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"لا يركب الهَدْي إلاّ لِضَرُورَةٍ".
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ارْكَبْهَا"حيث أَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرُكُوبِ الهَدْي.
(1) "تكملة المنهل العذب"ج 1.
(2) "شرح الزرقاني على الموطأ":"بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْهَدْيِ"ج 2 ص 484.