وَلم يدخلُوا من الْبَابِ، كَون ذَلِك أَوْقَع صِدْقًا فِي الْقلب فِيمَا جاؤوا بِهِ"اهـ (2) ."قلت"وهذا الاحتمال الأخير يتعارض مع حديث الباب في السياق، والاحتمال الأقرب أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءه جبريل في بيت أم هانئ، فخرج به إلى الْحِجْرِ أو الْحَطِيمِ، فشق صدره هناك الخ ما جاء في الحديث حيث قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي"بفتح الفاء الأُوْلَى والثَّانِيَةِ، وفتح الرَّاءَ، أي فشق جِبْرِيلُ صدر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ثغرة نحره إلى شِعْرته بكسر الشين."
"فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي" (3) أي فأخرج المَلَك قلبه الشَّريف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقيقة لا مجازًا، ولا حاجة إلى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، ولا عجب في ذلك، فإنَّ المعراج معجزة من معجزاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمعجزات كلها أمور خارقة للعادة، خارجة عن نظام العالم، والسُّنَن الكونية، وما هي إلاّ تحديات لقدرة البَشَرِ بقدرة الله تعالى."ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ"أي ثم غسل الملك قلبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بماء زمزم تطهيرًا وتقوية له بهذا الماء المبارك، لما فيه من غذاءٍ رُوحِيٍّ ومَادِيٍّ معًا"ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ"وكان هذا الطَّسْتِ من الأَوَانِي الذَّهَبِيّةِ الموجودة فِي الْجَنَّةِ فأتى به من هناك تكريمًا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإعلاءً لشأنه، وحفاوة به"مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً"بالنَّصْبِ، على أنَّه تمييز ملحوظ، أي جاءه بطست ذهبي من الجنَّة، ممتلئ بالعلم الرَّباني النافع، المؤدي إلى التَّوْفِيقِ والصَّوابِ في القول والعمل."فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ"أي ثم ختم صدره الشريف بعد غسله وتطهيره وإفراغ ذلك الطست فيه، لئلا يجد الشَّيْطَانُ إليه سَبِيلًا. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا"أي فأسرى بي أولًا على البراق من مَكَّة إلى بيت المقدس، ثم صعد بي الملكُ من بيت المقدس على المعراج إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. والبُرُاقُ دَابَةٌ مِنْ دَوَابِّ الجَنَّة دون البغل وفوق الحمار (4) . أمَّا المِعْراجِ فهو كما قال ابن سيده (5) :"شِبْه سُلَّمْ تَعْرُجُ عليه الأَرْوَاحُ وقد اختاره الله مَصْعَدًَا لنَبِيِّهِ إلى السَّمَاءِ".
"فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ: لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ"؛"فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ - بفتح النُّون والسِّين أي أَرْوَاحَهُم، حيث تَشَكَّلَتْ على صُوْرَةِ أجْسَامِهِم -؛ فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى"؛"حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ"أي وبعد الأولى صَعِد بي المَلَكُ إلى الثَّانِيَةِ، وانتقلت من سَمَاءٍ إلى سَمَاءٍ، والْتَقَيْتُ بالأَنْبِيَاءِ،"وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة"أي لم يعين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّمَاءَ التي فيها كل نَبِيٍّ منهم إلا السَّمَاء الدُّنْيَا والسَّادِسَة. وفي مسلم:"فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ في السَّمَاءِ الأُوْلَى، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى، وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وَفِي"