وذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ وأَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ:"إلى أَنَّ الإِحْصَارَ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ سَبَبٍ يَمْنَعُ مِنْ الاسْتِمْرَارِ فِي مُوجِبِ الإِحْرَامِ من مَرَضٍ ولَدْغٍ وجِرَاحَةٍ وذَهَابِ نَفَقَةٍ، وَعُطْلِ سَيَارَةٍ، أوْ مَوْتِ مَحْرَمٍ، أوْ زَوْجٍ، لأَنَّ الإِحْصَارَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هو المَنْعُ من الشَّيْءِ بِسَبَبِ المَرَضِ (6) ، أمَّا المَنْعُ بِسَبَبِ العَدُّوِ فَهُوَ حَصْرٌ، تقول العرب:"أَحْصَرَهُ المَرَضُ إحْصَارًَا فَهُوَ مُحْصَرٌ، وحَصَرَهُ الْعَدُوُّ حَصْرًَا فَهُوَ مَحْصُورٌ"، ولكن لما كان سبب نُزُوُلِ الآيَةِ العَدُّو عَدَلَ عن لفظ الحَصْرِ المُخْتَصِّ بِالْعَدُوِّ إلى الإحْصَارِ المُخْتَصِّ بالمَرَضِ فَدَلَّ ذَلِكَ على أنَّهُ أُرِيدَ باللفظ ظاهره، وهو المرض، ويدخل فيه الْعَدُوُّ بالمَعْنَى، لأَنَّ العَبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ" (7) .
وأمَّا تَمَسُّكُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ بقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) واسْتِدْلالَهُمْ بِذَلِكَ على أَنَّ المُرَادَ بالإِحْصَارِ إِحْصَارُ العَدُّوِ خَاصَّةً، لأَنَّ الأَمْنَ لا يكون إلاّ من الْعَدُوِّ، فإنَّهُ غير مُسْلَّمٍ بِهِ لأَنَّ الأَمْنَ كما يكون من الْعَدُوِّ يكون من المَرَضِ وغيره من المَوَانِعِ. ومِمَّا يَدُلُّ دِلالَةً صَرِيِحَةً على أنَّ الإِحْصَارَ يكون بأيّ مانعٍ من مَرَضٍ أوْ كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ أوْ نَحْوِهِ، حديث الحجاج بن عمرو الأَنْصَاريّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ"، وَفِيهِ: قَالَ عِكْرِمَةُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالا: صَدَقَ"أَخْرَجَهُ الأربعة (8) ."
ورَاوِيَ الحَدِيثِ: هو الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرِو بْنِ غَزِيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْمَازِنِيُّ الأَنْصَاريّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وأبوه عمرو بْن غزية شهد العقبة، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ والد الْحَجَّاج بْن عَمْرو بْن غزية وإخوته، وهم: الْحَارِث، وعبد الرحمن، وزيد، وسعيد وأكبرهم الْحَارِث. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، فِي تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ، الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرِو وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْقِتَالِ:"يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار أَتُرِيدُونَ أَنْ نَقُولَ لِرَبِّنَا إِذَا لَقِينَاهُ: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} ". وهو الذي ضرب مروان يوم الدار فأسقطه، وحمله أبو حفصة مولاه وهو لا يعقل. حَدِيثُهُ عِنْدَ كَثِيرِ بْنِ الْعَبَّاس، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ. تُوُفِّيَ وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ.
أمَّا الأحكام المترتبة على الإِحصار فهي:
أولًا: فَسْخُ الإِحْرَامِ والخُرُوج مِنْهُ، وهو المُسَمَّى شَرْعًَا"بِالتَّحَلُّلِ"وأمَّا ما يَتَحَلَّلُ بِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الوُصُولَ إلى البَيْتِ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ذَبَحَ الهَدْيَ - عند الجمهور - حَيْث أُحْصِرَ فِي حِلٍّ أوْ حَرَمٍ وَقْتَ حَصْرِهِ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَنَعَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ نَحَرَ هَدْيَهُ، وحَلَقَ رَأْسَهُ بالحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فله النَّحْرُ فِي مَوْضِعِهِ كما فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وقالت الحَنَفِيَّة:"لا يذبح الهدي إلاّ فِي الحرم فيبعث شاة تذبح هناك".
ثانيًا: أَنَّ كُلَّ مَنْ أُحْصِرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهَدْيٍ، سَوَاءٌ كان حَاجًَّا أوْ مُعْتَمِرًَا أوْ قَارِنًَا، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَدَّهُ المشركون عَنِ البَيْتِ وكَانَ مُعْتَمِرًَا، نَحَرَ، ثُمَّ حَلَقَ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:"قُومُوا، فَانْحَرُوا،"