فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 2668

ثُمَّ احْلِقُوا". واختلفوا فِي القَارِنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ والحَنَابِلَةُ: عليه دَمٌ وَاحِدٌ، وقال الحَنَفِيَّةُ: عليه دمان بناءً على أنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ فلا يحل إلاّ بدمين عندهم، وعند الآخرين محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة فِي الحَجَّةِ فيكفيه دم واحد (9) . فَإِنْ لَمْ يكن مع المحصر هدي، وعجز عنه، انتقل عند الحنابلة إلى صَوْمِ عَشْرَةِ أيّامٍ؛ ثَلاثَةٍ فِي الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ. لأنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ للإِحْرَامِ، فَكَانَ لَهُ بَدَلٌ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ، والطِّيبِ واللِّبَاسِ، ويَبْقَى على إِحْرَامِهِ حتَّى يَصُومَ أوْ يَنْحَرَ الهَدْيِ، لأنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ أَفْعَالِ الحَجِّ فلا يَحِلُّ قَبْلَهُمَا. وانتقل عند الشَّافِعِيَّة على الأصح إلى الإِطعام، فَتُقَوّمُ الشَّاةُ دَرَاهِمَ، ويُخْرِجُ بِقِيمَتِهَا طَعَامًَا، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عن كُلِّ مُدٍّ يَوْمًَا، وإذا انْتَقَلَ إلى الصَّوْمِ فَلَهُ التَّحَلُّلِ فِي الحَالِ فِي الأَظْهَرِ (10) . وقال الحَنَفِيَّة:"ليس للهَدْيِ الوَاجِبِ بالإِحْصَارِ بدل، لأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي القُرْآنِ، فالمحصر عندهم لا يُجْزِئُهُ شَيْءٌ عن الهَدْيِ" (11) ."

ثالثًا: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحَلْقِ عِنْد التَّحَلُّلِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ؛ فَالتَّحَلُّلِ عند الشَّافِعِيَّةِ والحَنَابِلَةِ يَكُونُ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءٍ: ذَبْحٍ، ونِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ، وحَلْقٍ أوْ تَقْصِيرٍ. والحَلْقُ شَرْطٌ أَيْضًَا عند المالكية. وقال الإِمام أَبُو حَنِيْفَةَ ومُحَمَّدٌ:"لا يُشْتَرَطْ الحَلْقُ فِي التَّحَلُّلِ، وإِنَّمَا يَحِلُّ المُحْصَرُ بالذَّبْحِ بِدُونِ الحَلْقِ لِإِطْلاقِ نَصِّ الآيَةِ حيث قَالَ (تَعَالَى) : (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ولَمْ يَشْتَرِطْ الحَلْقَ، ولَمْ يَذْكُرَهُ، قالوا: فَمَنْ أَوْجَبَ الحَلْقَ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضَ الوَاجِبِ وهذا خِلافُ النَّصِ، ولأَنَّ الحَلْقَ للتَّحَلُّلِ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ، والمُحْصَرُ لا يَأتِي بِأَفْعَالِ الحَجِّ، فلا حَلْقَ، والحديثُ فِي الحَلْقِ بِالحُدَيْبِيَةِ مَحْمُولٌ على النَّدْبِ" (12) .

رابعًا: اختلفوا في قضاء المحْصَر لحجه وعمرته من العام القابل على أقوال ومذاهب:

عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:"سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَاريّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كُسِرَ الرَّجُلُ أَوْ عُرِجَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَا: صَدَقَ" (13) . قال فِي"الْمُغْنِي":"مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ، نَحَرَ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدْيِ، وَحَلَّ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ غَيْرِهِمْ، فَمَنَعُوهُ الْوُصُولَ إلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا، فَلَهُ التَّحَلُّل. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} . وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا، وَيَحْلِقُوا، وَيَحِلُّوا. وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ، أَوْ بِهِمَا، فِي قَوْلِ إمَامِنَا، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَتَحَلَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْفَوَاتَ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ، فَحَلُّوا جَمِيعًا. وَعَلَى مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ الْهَدْيُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ لِأَنَّهُ تَحَلُّلٌ أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَشْبَهَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} . قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ إتْمَامِ نُسُكِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، كَاَلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ"اهـ (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت