والنُّعْمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الفالوذج في مهرجان النيروز، فقال:"مهرجونا كل يوم"، هكذا قال الخطيب في تاريخه، والله تعالى أعلم.
وأدرك أَبُو حَنِيْفَةَ أربعة من الصَّحابة، رضوان الله عليهم وهم: أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوْفَى بالكوفة، وسَهْل بن سعدٍ السَّاعِديِّ بالمدينة، وأبو الطُّفَيْلُ عامر بن واثلة بِمَكَّةَ، ولم يلق أحدًا منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصَّحابة وروى عنهم، ولَمْ يثبت ذلك عند أهل النقل. روى عنه: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وغيرهم"اهـ."
وكان أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حسن الثياب، كثير الكرم، حسن المواساة لإخوانه، كان يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من داره. وكان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول:"ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد (1) ولكل من تعلمت منه علمًا أو علمته". وَكَانَ خَزَّازًا يُنفق من كيسه وَلَا يقبل جوائز السُّلْطَان توّرعًا؛ وَله دَارٌ وضِياعٌ ومعاش متسع. وَكَانَ معدودًا فِي الأجواد الأَسْخِيَاءِ الأَلِبَّاءِ الأذكياء؛ مَعَ الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقيل: صلى بِوضُوء عشَاء الْآخِرَة الصُّبْح أَرْبَعِينَ سَنَةً؛ وَختم الْقُرْآن فِي رَكْعَةٍ. وردد لَيْلَة كَامِلَة قَوْله تَعَالَى:"بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ". وروى نوح الْجَامِع أَنه سمع أَبَا حَنِيْفَةَ يَقُول:"مَا جَاءَ عَن رَسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعلى الرَّأْس وَالْعين وَمَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة اخترنا؛ وَمَا كَانَ غير ذَلِك فهم رجال وَنحن رجالٌ". وَقَالَ وَكِيع:"سَمِعت أَبَا حَنِيْفَةَ يَقُول:"البّولُ فِي المسجد أحسن من بعض الْقيَاس". وَقَالَ ابْن حزم:"جَمِيع الْحَنَفِيَّة مجمعون على أنّ مَذْهَب أَبِي حَنِيْفَةَ:"ضَعِيفُ الحَدِيث عِنْده أولى من الْقيَاس والرأي". وَقَالَ يحيى الْقطَّان:"لَا نكذب الله مَا سمعنَا أحسنَ من رَأْي أَبِي حَنِيْفَةَ وَقد أَخذنَا أَكثر أَقْوَاله".
وقال في"الطبقات الكبرى"للشعراني:"أُكْرِهَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على تَوْلِيَةِ القضاء، وضُرِبَ على رأسه ضربًا شديدًا أيام مروان، فلم يل! ولما أُطلق قال:"كان غم والدتي أَشدُّ من الضَّرب عليَّ، وكان الإمام أَحْمَد بنِ حَنْبَل إذا ذكر ذلك بكى، وترحَّم عليه. ثم أكرهه أبو جعفر بعد ذلك وأشخصه من الكوفة إلى بغداد فأبى؛ وقال:"لا أكون قاضيًا"، فحبسه وتوفي في السِّجْنِ رضي الله تعالى عنه. ويقال: إنَّه تَوَلَّى القضاء يومين أو ثلاثة ثم مرض ستة أيام ثم مات.
وَنقل الْمَنْصُور أَبَا حَنِيْفَةَ من الْكُوفَة إِلَى بَغْدَاد وأراده على الْقَضَاء فَأبى؛ فَحلف عَلَيْهِ ليَفعلنّ! فَحلف أَبُو حَنِيْفَةَ أَن لَا يفعل! فَقَالَ الرّبيع: أَلا ترى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يحلِف! فَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ:"أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أقدَرُ مني على كفّارة الْيَمين"؛ وأبى الْولَايَة فَأمَرَ بحبسه فِي الْوَقْت؛ وَقيل:"إِنَّه قَالَ لَهُ: اتقِ الله وَلَا ترعى فِي أمانتك إِلَّا من يخَاف الله؛ واللهِ مَا أَنا مَأْمُون الرضى فَكيف أكون مَأْمُون الْغَضَب وَلَو اتجه الحُكم عَلَيْك؛ ثُمّ تَهَدّدَتني أَنْ تغرِّقني فِي الْفُرَات أَو أَلِىَ الحُكم لَاخترتُ أَن أَغرَّقَ فِي الْفُرَات! وَلَك حاشيةٌ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَن يُكرِمهم لَك وَلَا أصلح لذَلِك". فَقَالَ لَهُ:"كذبتَ أَنْت تصلح لذَلِك!"فَقَالَ لَهُ:"قد حكمتَ لي على نَفسك؛ كَيفَ يحل لَك أَنْ تُوَلِّيَ على أمانتك من هُوَ كذّابٌ؟!". وَقيل توّلى الْقَضَاء يَوْمَيْنِ ثم اشْتَكَى أَبُو حَنِيْفَةَ ثمَّ مرض سِتَّة أيّام وَمَات رَحمَه الله