فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 2668

تَعَالَى. وَكَانَ يزِيد بن هُبَيْرَة قد ضربه مائَة سوطٍ كلّ يَوْم عشرةَ أسياط وَهُوَ يمْتَنع من ولَايَة ذَلِك فَلَمَّا رَآهُ مُصِرًا خلَّى سَبيله.

وَدعَاهُ الْمَنْصُور يَوْمًا فَقَالَ الرّبيع: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ! هَذَا أَبُو حَنِيْفَةَ يُخَالف جَدَّك كَانَ عبد الله بن عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَقُول إِذا حلف على الْيَمين ثُمَّ اسْتثْنى بعد ذَلِك بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ جَازَ الِاسْتِثْنَاء؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: لَا يجوِّز الِاسْتِثْنَاء إِلَّا متّصلًا بِالْيَمِين! ِ فَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ:"يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ! إنّ الرّبيع يزْعُمُ أَنْ لَيْسَ لَك فِي رِقاب جُنْدِكَ بَيْعَة!"، قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: يَحْلِفُونَ لَك ثُمَّ يرجِعون إِلَى مَنَازِلهمْ فيستثنون فتبطُل أَيْمَانُهُم! فَضَحِك الْمَنْصُور وَقَالَ: يَا ربيع! لَا تعرّض لأَبِي حَنِيْفَةَ. فَلَمَّا خرج أَبُو حَنِيْفَةَ قَالَ لَهُ الرّبيع:"أردتَ أَن تُشِيطَ بدمي"؛ قَالَ:"لَا وَلَكِنَّك أردتَ أَن تشيطَ بدمي فَخَلَّصْتُكَ وخَلَّصْتُ نَفْسِي".

وَكَانَ أَبُو حَنِيْفَةَ رَبْعًا من الرِّجَال وَقيل: كَانَ طُوالًا تعلوه سُمرةٌ. أحسنَ النَّاس مَنطِقًا وأحلاهم نَغمَة. وَرَأى أَبُو حَنِيْفَةَ فِي مَنَامه كأنّه نَبَش قبر رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبعث من سَأَلَ مُحَمَّد بن سِيرِين فَقَالَ:"صَاحب هَذِه الرُّؤْيَا يُثَوِّرُ علمًا لم يسبُقه إِلَيْهِ أَحَدٌ قبله". وَقَالَ الشَّافِعِيّ:"قيل لمَالِكٍ: هَل رَأَيْت أَبَا حَنِيْفَةَ؟ قَالَ:"نعم! رَأَيْتُ رجلًا لَو كلمك فِي هَذِه السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلهَا ذَهَبًا لقام بحُجَّتِهِ!". وَقَالَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ:"الْقِرَاءَةُ عِنْدِي قِرَاءَةُ حَمْزَةَ؛ وَالْفِقْه فقهُ أَبِي حَنِيْفَةَ على هَذَا أدركتُ النَّاسَ"."

وَلم يكن فِي أَبِي حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يعاب بِهِ غير اللّحن فَمن ذَلِك أَنَّ أبا عَمْرِو بن العلاءِ المقرئ النَّحْوِيّ سأله عَن: القَتل بالمِثل هَل يوجِب القَوَدَ أَو لَا؟ فَقَالَ:"لَا". كَمَا هُوَ قَاعِدَة أَبِي حَنِيْفَةَ فِي مذْهبه خلافًا للشَّافِعِيِّ فَقَالَ له أَبُو عَمْرو: ولو قتله بِحجر المنجنيق؟ فَقَالَ لَهُ:"وَلَو قَتله بِأَبَا قُبَيْسٍ"يَعْنِي الْجَبَل المطلّ على مَكَّة. وَقد اعتذر النَّاس لَهُ وَقَالُوا قَالَ ذَلِك على لُغَةِ من يعرب الحُرُوفَ السِّتَّةَ على أَنَّهَا مقصورةٌ وَمِنْه قَول الْقَائِلِ: (إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا ... قد بلغا فِي الْمجد غايتاها) .

وَقَالَ جَعْفَر بن الرّبيع:"أقمتُ على أَبِي حَنِيْفَةَ خمس سِنِينَ فَمَا رَأَيْت أطول صَمْتًَا مِنْهُ؛ فَإِذا سُئِلَ عَن الْفِقْه تفتّح وسال كالوادي. وَسمعت لَهُ دَويًّا وجَهارةً بالْكلَام وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقيَاس". وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أَبِي حَنِيْفَةَ عَن أَبِيه قَالَ:"لما مَاتَ أبِي سَأَلنَا الْحسن بن عمَارَة أَنْ يتَوَلَّى غُسْله فَفعل فَلَمَّا غَسَّله قَالَ:"رَحِمك الله وَغفر لَك لم تفطر مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة، وَلَمْ تتوسّد يَمِينك فِي اللَّيْل مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة، وَقد أَتْعَبْتَ من بَعْدَكَ، وفَضَحْتَ القُرَّاءَ!"."

(1) العَلاَّمَةُ"حَمَّادُ بنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مُسْلِمٍ الكُوْفِيُّ": قال فِي"سير أعلام النبلاء": الإِمَامُ، فَقِيْهُ العِرَاقِ، أَبُو إِسْمَاعِيْلَ بنُ مُسْلِمٍ الكُوْفِيُّ، مَوْلَى الأَشْعَرِيِّيْنَ، أَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ. رَوَى عَنْ: أَنَسِ بنِ مَالِكٍ. وَتَفَقَّهَ: بِإِبْرَاهِيْمَ النَّخَعِيِّ، وَهُوَ أَنْبَلُ أَصْحَابِهِ وَأَفْقَهُهُم، وَأَقْيَسُهُم، وَأَبْصَرُهُم بِالمُنَاظَرَةِ وَالرَّأْيِ. وَحَدَّثَ أَيْضًا عَنْ: أَبِي وَائِلٍ، وَزَيْدِ بنِ وَهْبٍ، وَسَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَجَمَاعَةٍ. وَلَيْسَ هُوَ بِالمُكْثِرِ مِنَ الرِّوَايَة؛ لأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَوَانِ الرِّوَايَة. وَأَكْبَرُ شَيْخٍ لَهُ: أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، فَهُوَ فِي عِدَادِ صِغَارِ التَّابِعِيْنَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت