فَخَرَجَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ، وَالْمَدَائِنَ، وَجَلُولَاءَ، وَنَهَاوَنْدَ، وَاخْتَطَّ الْكُوفَةَ حِينَ اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمونَ، وَبَنَى بِهَا دَارًا فِي كِنْدَةَ وَنَزَلَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: قال عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًَا:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ"أيْ مَنْ أَقْسَمَ بِاللهِ تَعَالَى على شَيْءٍ وهو كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ، مُتَعَمِّدٌ الكَذِبَ، عَالِمٌ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحِقٍّ فِي قَوْلِهِ ودَعْوَاهُ"لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِم"أي ليأخذ حقًا لغيره، أو يُسْقِط عن نفسه حقًا لغيره، مُسْلِمًا كان أو ذِمِيًَّا، قال القَسْطَلانِيّ:"والتَّقْيِيدُ بالمُسْلِمِ جَرَى على الغَالِبِ، فلا فَرْقَ بَيْنَ المُسْلِمِ والذِّمِيِّ والمُعَاهِدِ وغيرهم"اهـ (2) . وذلك لأنَّ النَّاسَ بالنِّسْبَةِ إلى الحُقُوقِ الإِنْسَانِيَّةِ سَوَاءٌ، لا فَرْقَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكَافِرٍ؛ فكما تحرم هذه تحرم هذه. فمن حلف يَمِينًَا كَاذِبَةً ليأخذ بِهَا حَقَّ إِنْسَانٍ مَهْمَا كان دِينُهُ أو مِلَّتُهُ"لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". قال الصَّنْعَانِيّ: وإذا كَانَ اللهُ تَعَالَى عليه غَضْبَانٌ حَرَمَهُ جَنَّتَهُ وأَوْجَبَ عليه عَذَابَهُ"."
"فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي"، أي فلما سمع الأشعث هذا الحديث من ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إِنَّمَا قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الحديث بسببي، وذلك لأنَّه كان بيني وبين يهودي خصومة على أرض فجحدني، أي فأنكر حقي فيها"فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي شكوته إليه،"فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَكَ بَيِّنَة؟ ٌ"، أيْ دَلِيْلٍ أو شُهُودٍ،"قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: «احْلِفْ» ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي!"، أي إذن يحلف كذبًا، ويأكل مالي بالباطل،"فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إِلَى آخِرِ الآيَةِ"وقد تقدمت هذه الآية مع شرحها في بابِ"إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
جَوَازُ كَلامِ الخُصُومِ بَعْضهم فِي بَعْضٍ، لأَنَّ الأَشْعَثَ طَعَنَ فِي الْيَهُودِيّ، وَوَصَفَهُ بِالكَذِبِ واليَمِينِ الغَمُوسِ.
ومطابقته للتَّرْجَمَة: تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي) ، فَإِنَّهُ نَسَبَ الْيَهُودِيّ إِلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أخبر بِمَا كَانَ يَعْلَمُهُ مِنْهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مُبَاحٌ فِيمَنْ عُرِفَ فِسْقُهُ، كَمَا عُرِفَ فِسْقُ الْيَهُودِيّ الَّذِي خَاصَمَ الْأَشْعَث وَقِلَّةُ مُرَاقَبَتِهِ للهِ تَعَالَى؛ كما أفاده العيني.
(1) قال فِي"مجمع الزوائد":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ ثِقَةٌ".
(2) "إرشاد الساري": (باب الخصومة فِي البئر والقضاء فيها) ج 4 ص 196.