عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ"أي اقْرَأْ مَا أقُوُلُهُ لك وأُبَلِّغُهُ إليك، مُسْتَعِينًَا باسْمِ اللهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، وِإقْدَارِهِ لك على القراءة، فإِنَّ الخَالِقَ العَظِيمَ الذي وهب الوُجُودَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وأوْجَدَ الأشْيَاءَ على غَيْرِ مثالٍ سابقٍ، قادرٌ على تَمْكِينِكَ من القِرَاءَةِ دون أنْ تَتَوَفَّر فيك أسْبَابُهَا."
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) وهذا تأكيد للمعنى الأول، وجَوَابٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أنا بقارئ، لما قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجبريل: ما أنا بقارئ، قال اللهُ تَعَالَى له: وما يمنعك من القراءة وإن كنت أُميًّا لا تَمْلِكَ أسْبَابَها؟. فإِنَّ الذي خلق هذا الإنْسَان الحَيّ العاقل المفكر من عَلَقَةٍ جَامِدَةٍ، قَادِرٌ على أنْ يَمْنَحُكَ القِرَاءَةَ والعلم وأنْتَ أُمِّيٌّ. (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) أيْ اقرأ وأنْتَ وَاثِقٌ من أنَّ رَبَّكَ الكَرِيمَ الأَكْرَم، الوَاسِع العَطَاء، الذي أنعم عليك بِالنُّبُّوَةِ دون كَسْبٍ واخُتِيَارٍ، قادر على أنْ يَمْنَحَكَ القِرَاءَةَ والعِلْمَ، وأنْتَ أُمِيٌّ لا قدرة لك عليها، ولا تملك أسبابها. فإنَّ النُّبُّوةَ هِبَةٌ إِلَهِّيَّةٌ يَمُنُّ اللهُ بِها على من يَشَاءُ من عباده، كما قالت الرُّسُلُ لِمَنْ أنْكَرَ عليهم نُّبُّوَتَهُم (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ) . وإن الذي وهبك النبوة دون كَسْبٍ، هو الذي أكْرَمَكَ بِالقِرَاءَةِ والعِلْمِ دون سَبَبٍ، ليكون ذلك آية واضحة على صِدْقِ نُبُوَّتِكَ، كما قال الشاعر:
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأمِّيِّ مُعْجِزَةً ... فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالتَأدِيْبِ فِي اليُتُمِ
"فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ"أي فعاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهذه الآيَاتِ، وبِهذه الأُمُورِ العَجِيبَةِ إلى خَدِيجَةَ، يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ بين جَنْبَيْهِ خَوْفًَا مِمَّا وَقَعَ لَهُ، ويَرْتَعِشُ جِسْمُهُ فَزَعًَا، لأَنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ يَرْتَجِفُ له الفُؤَادُ تِلْقَائِيًَا، ويذهب بِالحَرَارَةِ الباطنة، ويعقبه البرد والقشعريرة، والرَّعْشَة البدنية.
وكذلك جَميع الانفعالات النَّفْسِيَّةِ تنعكسُ على أعضاء الجسم الدَّاخلية والخارجية، ولذلك ارتعد قلبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسبب شِدَّة الخوف، وارْتَجَف جسمه.
وإِنَّمَا قَالَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، ولَمْ يَقُلْ: يَرْجُفُ قَلْبُهُ، لأَنَّ الفُؤَادَ وِعَاءُ القَلْبِ، فإذا حَصَلَتْ الرَّجْفَةُ للوِعَاءِ حَصَلَتْ لِمَا فِي دَاخِلِهِ من بَابِ أوْلَى، فهو أبْلَغ"فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ"أيْ فدخل على خَدِيجَةَ، وجِسْمُهُ يَرْتَجِفُ ويَنْتَفِضُ من القَشْعَرِيرَةِ وهو يقول: غَطُّونِي بِالثَّوْبِ أو الأَغْطِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، فَغَطَّتْهُ خَدِيجَةَ حتَّى ذهب خوفه، وأَحَسَّ بالدِّفءِ، فهدأ جسمه."فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ"أي قصَّ عليها ما وقع له فِي حِرَاءٍ قائلًا: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» أيْ لقَدْ خِفْتُ على نَفْسِي مما حدَّث لي اليوم فِي حِرَاءٍ، وهذه هي طبيعة الإنْسَان إذا رأى ما يُفَاجَأُ به (5) ، فَقَدْ حَكَى اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَافَ من سِحْرِ السَّحَرَةِ كما قَالَ تَعَالَى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) "."