فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 2668

وأما قولكم: إنَّه ليس من الصَّلاةِ فإنَّه ينافيها ويخرج منها به؛ فجوابه أنَّ السَّلام من تمامها وهو نِهَايَتُهَا، ونِهَايَةُ الشَيْءِ منه ليس خارجًا عن حقيقته، ولهذا أضيف إليها إِضَافَةَ الجُزْءِ، بخلاف مفتاحها فإنَّ إضافته إضافة مغاير، بخلاف تحليلها فإنَّه يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَتَحَلَّلُ منها إلا بِهِ"اهـ (6) ."

واختلفوا فِي حُكْمِ التَّسْلِيمَتَيْنِ، فقال أحْمَدُ:"التَّسْلِيمَتَانِ وَاجِبَتَانِ (7) ، وهو الرِّوَايَة المشهورة عنه". وقال الشَّافِعِيّ:"الأُوْلَى فَرْضٌ، والثَّانِيَةُ سُنَّةٌ"اهـ. وفرّق مالك بين المأموم وغيره، فقال:"لِلْمَأْمُومِ تَسْلِيمَتَيْنِ وَلِلْإِمَامِ وَاحِدَةً؛ وهي واجبة" (8) ؛ وَرَوَى المازري عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ وَلَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْهُمَا"اهـ (9) . وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"التَّسْلِيمَتَانِ سُنَّتَانِ"."

قال فِي"التمهيد لما في الموطأ":"رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكُلُّهَا مَعْلُولَةُ الْأَسَانِيدِ لَا يُثْبِتُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ فَإِنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ رَوَاهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ محمد بن سعيد عَنْ (مُحَمَّدٍ) عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فَأَخْطَأَ فِيهِ خَطَأً لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَصَرَّحُوا بِخَطَئِهِ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ قَالَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلَاةِ تَسْلِيمَتَيْنِ."

وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَانْفَرَدَ بِهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرْوِهِ مَرْفُوعًا غَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَلَمْ يَسْمَعْ أَيُّوبُ مِنْ أَنَسٍ وَلَا رَآهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ شَيْءٌ، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الصَّلَاةِ شَيْئًا لَا فِي الْوَاحِدَةِ وَلَا فِي الِاثْنَتَيْنِ، وَلَا خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ ولا أبو عبد الرحمن النَّسَائيُّ فِي التَّسْليِمَةِ الْوَاحِدَةِ شَيْئًا.

خَرَّج أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ فِي السُّنَنِ حَدِيثَ التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَعْدٍ الْمَذْكُورُ الصَّحِيحُ فِيهِ التَّسْلِيمَتَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرُوِيَ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَحَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَلَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ طائفة من الصَّحَابة وجماعة من التَّابعين التَّسْلِيمَتَانِ. وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ وَفِي التَّسْلِيمَتَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ صَحِيحٌ بِنَقْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ السَّهْوُ وَلَا الْغَلَطُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ مَعْمُولٌ بِهِ عَمَلًا مُسْتَفِيضًا بِالْحِجَازِ: التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ، وَبِالْعِرَاقِ: التَّسْلِيمَتَانِ، وَهَذَا مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ، لِتَوَاتُرِ النَّقْلِ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ لَا يُنْسَى وَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْوَهْمِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ بِهِ الْعَمَلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت