بِالرِّجَالِ،"وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ"أيْ وبَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ قَلِيلًا، ليتأخَرَ الرِّجَالُ عن الخروج بعض الوَقْتِ، ويُفْسِحوا الطَّريق للنِّسَاءِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْلِيمِ عند الخُرُوجِ من الصَّلاةِ كما ترجم له البُخَارِيّ. واختلفوا في حكمه كما قال ابن رشد: (فقال الجمهور بوجوبه، وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وأصحابه ليس بواجب، فذهب الجمهور إلى ظاهر حديث عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حيث قال فيه:"وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"(1) ؛ وَأَمَّا أَبُو حَنِيْفَةَ، فَذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَافِعٍ، وَبَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَاهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ:"أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِذَا قَضَى الْإِمَامُ الصَّلَاةَ وَقَعَدَ فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ؛ وَمَنْ كَانَ خَلْفَهُ مِمَّنِ ائْتَمَّ بِهِ"وَهَذَا لَا يَصِحُّ" (2 ) ) اهـ (3) . وقال الحافظ فِي"الفتح":"فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ كَوْنِ السَّلَامِ رُكْنًا دَاخِلًا فِي الصَّلاةِ لَا ضِدًّا لَهَا. وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِرُكْنِيَّتِهِ بِمُقَابَلَتِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِحَدِيثِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ رُكْنًا كَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ رُكْنًا؛ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاءٌ لِعِبَادِهِ"اهـ (4) .
قال ابن القيم: (حديثُ عليٍّ صَرِيحُ الدِلالَةِ على أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاةِ إلاّ بالتَّسْلِيمِ. وقال:"والكلامُ فِي التَّسْليمِ على قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاةِ إلا بالتَّسْلِيمِ وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعين التَّسْلِيمَ بَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا بالمُنَافِي لَهَا مِنْ حَدَثٍ أو عَمْلٍ مُبْطِلٍ ونَحْوِهِ. واستدل له بحديث ابن مسعود الذي رواه أحمد وأبو داود في تعليمه التَّشَهُّد وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلمه المسيء فِي صَلاتِهِ وَلَوْ كان فَرْضًا لعَلَّمَهُ إيَاهُ؛ وبأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصَّلاةِ فإنَّهُ ينافيها ويَخْرُجُ بِهِ منها ولهذا لو أَتَى بِهِ فِي أثنائها لأبْطَلَهَا وإذا لم يَكُنْ مِنْهَا عُلِمَ أنَّهُ شرع منافيًا لَهَا والمنافي لا يَتَعَيَّنُ؛ هذا غاية ما يحتج له به. والجمهور أجابوا عن هذه الحُجَجِ:"
أما حديث ابْنِ مَسْعُودٍ فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ: الصَّحِيحُ أنَّ قَوْلَهُ:"فَإِذَا قَضَيْتَ هَذَا، أَوْ قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ" (5) من كلام ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وقد اتفق من روى تشهد ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على حذفه.
وأمَّا كَوْنُ النَّبيِّ لَمْ يُعَلِّمَهُ المسيء فِي صلاته فَمَا أكثر ما يُحْتَجُّ بِهَذِهِ الحُجَّةَ على عدم واجبات فِي الصَّلاةِ ولا تَدُلُّ لأنَّ المسيءَ لم يُسِيء فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الصَّلاة فلعله لَمْ يُسِيء فِي السَّلامِ بل هذا هو الظاهر فإنَّهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسَّلامِ! وأيضًا فلو قُدِّرَ أنَّه أساء فيه لكان غاية ما يَدُلُّ عليه ترك التَّعْلِيمِ اسْتِصْحَابِ براءةِ الذِّمَةِ من الوجوب فكيف يقدم على الأدلة النَّاقلة لحكم الاسْتِصْحَاب؟!
وأيضًا فأنتم لم توجبوا فِي الصَّلاةِ كل ما أُمِرَ به المُسيء؛ فكيف تحتجون بترك أمره على عدم الوجوب؟ ودِلالَةُ الأَمْرِ على الوُجُوبِ أَقْوَى من دِلالَةِ تَرْكِهِ على نَفْي الوُجُوبِ؛ فإنَّهُ قَالَ:"إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ"؛ وَلَمْ توجبوا التَّكْبِيرَ! وقال:"ثم اركع حتى تطمئن راكعًا"؛ وقلتم: لو ترك الطُّمأنينة لم تبطل صلاته وإنْ كان مسيئًا!!