"يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ"أى فليلحق بمعبوده، ويطلب عنده النجاة."فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ"وهم عبَّادها في الدُّنْيَا."وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ"جمع طاغوت.
قال ابن القيم:"وَالطَّاغُوتُ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ؛ فَطَاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ مِنْ يَتَحَاكَمُونَ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْ يَتْبَعُونَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنْ اللَّهِ، أَوْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ؛ فَهَذِهِ طَوَاغِيتُ الْعَالَمِ إذَا تَأَمَّلْتَهَا وَتَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ النَّاسِ مَعَهَا رَأَيْت أَكْثَرَهُمْ [عَدَلُوا] مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ إلَى عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَعَنْ التَّحَاكُمِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ إلَى التَّحَاكُمِ إلَى الطَّاغُوتِ، وَعَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ إلَى طَاعَةِ الطَّاغُوتِ وَمُتَابَعَتِهِ" (2) ؛ والطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ ورؤوسها خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وهو راضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إلى عِبَادَتِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًَا من عِلْمِ الغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ.
"وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ (3) "على غير الصِّفَةِ المَعْرُوفَةِ لَدَيِّهِم من كتاب الله"فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا؛ حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ"أيْ فَيُثَبِّتَهُم الله بِالقَوْلِ الثَّابِتِ: فيقولون: لست ربنا، وسنبقى فِي مكاننا حتى يأتينا الرَّبُّ الحَقِّ."فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ"على الصِّفَةِ التي يَعْرِفُونَهَا من كتابِ اللهِ"فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا"الحَقُّ. وقد رجَّح القاضي عياض أنّ الذي يأتيهم في الأول مَلَكٌ، والذي يأتيهم في المَرَّة الثَّانِيَة رَبُّ العِّزَّةِ. قال النَّوَوِيّ:"يعرفونه بتوفيق الله تعالى، وهو الظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ إلى الذِّهْنِ لِرَهْبَةِ الموقف الذي تَذْهَلُ له العُقُولُ، وَلَكِنَّ الله يُثَبِّتُ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، ويُلْهِمُهُمْ كَلِمَةَ الحَقِّ، وقول الصَّوَابِ".
"فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ"أيْ على وَسْطِهَا؛ (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلاَمُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ:"اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ") أيْ لا كلام لَهُمْ إلاّ التَّضَرعِ إلى الله سائلين منه السَّلامَةَ والنَّجَاةَ لأُمَمِهِمْ."وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ"جَمْعُ كَلُّوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق بها اللحم"مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ"وهو نبت ذو فروع شَوْكِيَّةٍ، أي أنَّ كَلاَلِيبَ جَهَنَّمَ فِي حِدَّتِهَا وصورتها وكثرة عددها تشبه شَوْكَ السَّعْدَانِ"غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ"؛"تَخْطَفُ النَّاسَ"بِفَتْحِ الطَّاءِ ويجوز كَسْرِهَا أيْ أنَّ هذه الكَلاَلِيبُ التي على جَانِبَيْ الصِّرَاطِ تأخذ النَّاسَ بِسُرْعَةٍ لتُلْقِيَهُمْ فِي جَهَنَّمَ"بِأَعْمَالِهِمْ"أيْ بسبب أعمالهم وعلى قدرها."فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ"أيْ يَهْلِكُ بسبب معاصيه."وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ"أيْ يُقَطَّعَ أَشْلاءً - فَتُقَطِّعُهُ كَلاَلِيبُ الصِّرَاطِ وتُلْقِي بِهِ فِي جَهَنَّمَ. وللأصيلي بالجيم من الجَرْدَلَةِ، وهي الإِشْرَافُ على الهَلاكِ، كما أفاده القَسْطَلانِيّ.