فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 2668

أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ السُّتْرَةِ بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي مُطْلَقًَا سَوَاءٌ كان مقيمًا أو مسافرًا، وهو مذهب الجمهور، حيث قال الشَّافِعِيّ وأَبُو حَنِيْفَةَ وغيرهم:"السُّتْرَةُ سُنَّةٌ فِي السَّفَرِ والحَضَرِ معًا مَا لَمْ يَكُنْ أمَامَهُ جِدَارٌ. قال فِي"التَّمهيد لما فِي الموطأ":"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ جِدَارٌ نَصَبَ أَمَامَهُ شَيْئًا؛ وَكَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"اهـ (2) ."

وقال ابن العربي المالكي (3) فِي "العَارِضَة":"اختلف العلماء فِي وَضْعِ السُّتْرَةِ على ثَلاثَةِ أَقْوالٍ:"

الأوَّلُ: أنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَضَعَ خَطًَّا، قاله أحْمَدُ وغيره.

الثَّانِي: أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ قَالَهَا: الشَّافِعِيّ وأَبُو حَنِيْفَةَ ومالك فِي"العتبية". وفِي"الْمُدَوَّنَة": هذا إذا كان فِي مَوْضِعٍ يُؤْمَنُ المرور فيه، فإنْ كان فِي مَوْضِعٍ لا يُؤْمَنُ ذلك تأكَّد عند علمائنا وَضْعُ السُّتْرَةِ"."

الثَّالِثُ: جواز تركها، وروي ذلك عن مالك. وأمَّا ما حكاه ابن العربي من وجوب السُّتْرَةِ عند أَحْمَدَ فإنَّهُ تأباه كتب فروعه، كما في"أوجز المسالك". وقال فِي "الشَّرْحِ الكَبِيرِ":"الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ (سُتْرَةٌ) أَيْ نَصَبَهَا أَمَامَهُ خَوْفَ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَالْمُعْتَمَدُ اسْتِحْبَابُهَا (لِإِمَامٍ وَفَذٍّ) لَا مَأْمُومٍ لِأَنَّ إمَامَهُ سُتْرَةٌ لَهُ؛ أَوْ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لَهُ" اهـ (4) . وظاهر مذهب المالكية أَنَّ السُّتْرَةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ في الحَضَرِ دونَ السَّفَرِ؛ حيث قَالَ مَالِكٌ - كما في الْمُدَوَّنَة:"وَمَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَلَا يُصَلِّي إلَّا إلَى سُتْرَةٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَضَرِ بِمَوْضِعٍ يَأْمَنُ أَنْ لَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ"اهـ (4) . وقد اسْتَدَلَّ المالكية على عدم تأكدها في السَّفَرِ بحديث الفضل بن الْعَبَّاس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» "رَوَاهُ أَحْمَدُ (5) .

ثانيًا: أنَّ سُتْرَةَ الإِمَامِ سُتْرَةٌ للمَأْمُوُمِيِنَ من خلفه، لِقَوْلِهِ:"صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاء وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ"فَإِنَّ معنى ذلك أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ مُتَسِتِّرًَا بالعَنَزَةِ، وَصَلَّوْا خلفه متسترين بسترته (6) ؛ فَدَلَّ ذلك على أنَّ سُتْرَةَ الإِمَامِ سُتْرَةٌ للمَأْمُوُمِيِنَ؛ وهو مذهب الجمهور، كما قررناه في الحديث السَّابِق.

والحَاصِلُ: أنّ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ يَدُلَّانِ على أنَّ سُتْرَةَ الإِمامِ سُتْرَةً للمَأْمُومِين من وُجوهٍ:

الأَوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ وجود سُتْرَةٍ لأَحَدٍ من المَأْمُومِين، ولو كان ذلك لنُقِلَ لتَوَفُّر الدَّواعِيَ على نَقْلِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَدَلَّ ذلك على أنَّ سُتْرَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت سُتْرَةٌ لمن خلفه.

الثَّانِي: أنَّ قَوْلَهُ:"فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ"يَدُلُّ على دُخولِ النَّاسِ فِي السُّتْرَةِ، لأَنَّهُمْ تَابِعُونَ للإِمَامِ فِي جَمِيعِ ما يفعله.

الثَّالِثُ: إِنَّ قوله"وَرَاءَهُ"يَدُلُّ على أنَّهُمْ وراء السُّتْرَةِ أَيْضًَا، إذ لو كانت سُتْرَةٌ لَمْ يَكُونُوا وَرَاءَهُ بل كانوا وَرَاءَهَا"اهـ (7) ."

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاء وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ"أيْ صَلَّى مُتَسِتِّرًَا بالعَنَزَةِ، وَصَلُّوا خلفه ليسوا مُتَسِتِّرِينَ بِشَيْءٍ، إلاّ بِسُتْرَتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت