فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 2668

وكان الشَّافِعِيّ كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلام الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من: معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر، حتى إنَّ الأصْمَعيِّ مع جلالة قدره في هذا الشَّأْن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أَحْمَد بنِ حَنْبَل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشَّافِعِيّ". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام:"ما رأيت رجلًا قط أكمل من الشَّافِعِيّ"، وقال عبد الله بن أحمد ابن حنبل:"قلت لأبي: أي رجل كان الشَّافِعِيّ فإنِّي سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني، كان الشَّافِعِيّ كالشَّمس للدنيا وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما من عِوضٍ؟!". وقال أحمد:"ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشَّافِعِيِّ وأستغفر له". وقال يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ:"كان أَحْمَد بنِ حَنْبَل ينهانا عن الشَّافِعِيّ، ثم استقبلته يومًا وَالشَّافِعِيّ راكب بغلةً وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله! تنهانا عنه وتمشي خلفه؟! فقال:"اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت"."

وقال الشَّافِعِيّ:"قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا قارئٌ، فقرأت عليه الموطأ حفظًا"، فقال:"إنْ يَكُ أَحَدٌ يُفْلِحُ فهذا الغُلام". وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شَيءٌ من التَّفسير أو الفتيا التفت إلى الشَّافِعِيّ فقال:"سلوا هذا الغلام". وقال الحميدي:"سمعت زنجي بن خالد - يعني مسلما - يقول للشَّافِعِيِّ:"أَفْتِ يا أبا عبد الله! فقد والله آن لك أن تُفْتِي"، وهو ابن خمس عشرة سنة. وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي:"رأيت أَحْمَد بنِ حَنْبَل عند الشَّافِعِيّ في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله! هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يُحَدِّث، فقال:"إنَّ هَذا يَفوتُ وذاكَ لا يَفوتُ". وقال أبو حسان الزيادي:"ما رأيت محمد بن الحسن يعظِّم أحدًا من أهل العلم تعظيمه للشَّافِعِيِّ، ولقد جاءه يومًا فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن، فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل، ولَمْ يأذن لأحدٍ عليه".

والشَّافِعِيّ أَوَّل من تَكَلَّم فِي أُصُولِ الفِقْهِ وهو الذي استنبطه، وقال أبو ثور:"من زَعَمَ أنَّهُ رَأَى مِثْل مُحَمَّد بن إدريس فِي علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتَمَكُّنِهِ فَقَدْ كَذَبَ، كان مُنْقِطَعُ القَرِينِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمَّا مَضَى لِسَبِيلِهِ لَمْ يُعْتَض مِنْهَ". وقال أَحْمَد بنِ حَنْبَل:"مَا أَحَدٌ مِمَّنْ بِيَدِهِ مَحْبَرَة أو ورق إلا وللشَّافِعِيِّ فِي رَقَبَتِهِ مِنّةٌ". وكان الزَّعْفَرَانِي يقول:"كان أصحاب الحديث رُقُودًا حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِيّ فأيْقَظَهُم فَتَيَقَّظُوا". وكان من دعائه:"اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير"، وهو مَشْهُورٌ بين العُلَمَاءِ بِالإِجَابَةِ، وأنَّهُ مُجَرَّبٌ. وفضائله أكثر من أنْ تُعَدَّد. وقَدِمَ بَغْدَادَ سنة خَمس وتسعين ومائة فأقام بِها سنتين، ثُمَّ خَرَجَ إلى مَكَّةَ، ثُمَّ عَادَ إلى بَغْدَادَ سنة ثَمَانٍ وتِسْعِينَ ومَائَة فَأقَامَ بِها شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى مِصْرَ، وكان وُصُولُهُ إليها فِي سَنَةِ تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة إحدى ومائتين.

ولَمْ يَزَلْ بِها إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ آخِرَ يَوْمٍ من رجب سنة أربع ومائتين، ودُفِنَ بَعْدَ العَصْرِ من يَوْمِهِ بِالْقَرَافَةِ الصُّغْرَى، وقَبْرُهُ يُزَارُ بِها بِالقُرْبِ من المُقَطَّم، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ الرَّبيع بن سليمان المُرَادِي:"رأيت هلال شعبان"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت