أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ"وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا"أيْ رَبَطَ أَفْوَاهَ القِرْبَتَيْنِ العُلْيَا"وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ"بفتح الزَّاي وكَسْرِ اللام، أيْ وفَتْحَ أَفْوَاهَ القِرْبَتَيْنِ السُّفْلَى لكي يَخْرُجُ الماء منها."وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا"أيْ اسْقُوا دَوَابَّكُم واشْرَبُوا من هذا المَاءِ الذي سَاقَهَ اللهُ إليكم."فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ"أيْ فَشَرِبُوا وسَقُوْا دَوَابِّهِمِ ومَوَاشِيهِمِ؛"وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» ".
"وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا"أي وَهِيَ وَاقِفَةٌ تُشَاهِدُ هذه الحَوَادِث العجيبة بعينيها."وَايْمُ اللَّهِ (5) لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا"أُقْلِعَ بِضَمِّ أَوَّلَهِ وكَسْرِ ثَالِثِهِ والبناء للمجهول، أيْ تُرِكَتْ وَكَفَّ النَّاسُ عنْهَا"وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً"بكسر الميم وسكون اللام أيْ امْتِلاءً؛"مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا"ومعنى ذلك أَنَّ الرَّاوِي يُقْسِمُ بِاللهِ تَعَالَى على أَنَّ هَاتَيْنِ القِرْبَتَيْنِ لَمْ يُنْقَصْ من مَائِهِمَا بعد الشُّرْبِ والسَّقْيِ مِنْهُما شَيْئًَا، بل إنَّهُ لَيَتَرَاءى لأَعْيُنِهِم أَنَّ المَاءَ قَدْ زَادَ بعد شُرْبِهِم وسَقْيِهِم منه عَمَّا كان عليه قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا ويُسْقُوا منه."فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْمَعُوا لَهَا» فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ"أيْ فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ أَصْنَافِ الطَّعَامِ، والأَزْوَادِ المَوْجُودَةِ لَدَيْهِمِ"حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا"أيْ وأَرْكَبُوهَا على بَعِيرِهَا"وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا"؛"قَالَ لَهَا: تَعْلَمِينَ، مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا"أيْ لَقَدْ عَلِمْتِ يَقِينًَا، وشَاهَدْتِ بِبَصَرَكِ، وَرَأَيْتِ رَأْيَ العَين أنَّنَا لَمْ نُنْقِصْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا فَنَكُونُ سَبَبًَا فِي إيْذَائِكِ وإلْحَاقِ الضَّرَرِ بِكِ."وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا"أَيْ ولَكِنَّنَا قَدْ شَرِبْنَا من المَاءِ الذي سَاقَهُ اللهُ إلينا وسَقَانَا مِنْهُ. وقَدْ أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كَلامِهِ هذا أَنْ يَلْفِتَ نَظَرَ تِلْكَ المَرْأَةِ إلى أنّهُم حين شَرِبُوا من القِرْبَتَيْنِ لَمْ يَضُرُّوهَا بِشَيْءٍ وإِنَّمَا شَرِبُوا من المَاءِ الذي سَقَاهُ اللهُ لَهُم، حَيْثُ أَنَّ مَاءَ القِرْبَتَيْنِ زَادَ ولَمْ يَنْقُصْ، فكان ذلك مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَهَا إليها لتُحَدِّثَ قَوْمَهَا عنها، وهذا مَا وَقَعَ مِنْهَا عند رُجُوعِهَا إليهم كما قال الرَّاوِي.
"فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ"أيْ تَأَخَّرَتْ عنهم بعض الشَّيْءِ"قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلاَنَةُ، قَالَتْ: العَجَبُ"أي الذي أَخَّرَنِي عنكم أَمْرٌ عَجِيبٌ، وقِصَّةٌ غَرِيبَةٌ، ثُمَّ حَكَتْ لَهُم قِصَّتَهَا فقالت:"لَقِيَنِي رَجُلاَنِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ"أي فَذَهَبَا بِي إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الذي تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ"الصَّابِئُ"أي الخَارِجِ عن دِينِهِ"فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا"أيْ فَسَقَى الجَيْشَ كُلَّهُ من هَاتِينِ المَزَادَتَيْنِ دُونَ أَنْ يَنْقُصَ من مَائِهِمَا شَيْئًا! إلى غير ذلك من العَجَائِبِ التي شَاهَدَتْهَا، وحَدَّثَتْهُم عنها."فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ: بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ -؛ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا"أيْ إِنَّهُ لا يَخْلُو من أَمْرِينِ: إِمَّا أَنْ يكون أَسْحَرَ شَخْصٍ مَوْجُودٍ بين السَّمَاءِ والأَرْضِ، أوْ يَكُونَ نَبِيًَّا ورَسُولًا صَادِقًَا فِي نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، لأَنَّ هذه الخَوَارِقِ إِمَّا أنْ تكون سِحْرًَا، أو مُعْجِزَةً.
"فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَ يُصِيبُونَ الصِّرْم"بكسر الصَّادِ (6) "الَّذِي هِيَ مِنْهُ"أيْ ولا يُغِيرُونَ على بُيُوتِ الشَّعْرِ التي يَسْكُنُهَا قَوْمُهَا."فَقَالَتْ: يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلاَءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا"أي الذي أَرَاهُ وأَعْتَقِدُهُ أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ تَرَكُوا قِتَالَكُمْ مُتَعَمِّدِينَ قَاصِدِينَ ذلك حِفْظًَا للجَمِيلِ