يُزِيلُ هَذَا الْحَدَثَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَأَى الْمَاءَ تَعُودُ الْجَنَابَةُ وَالْحَدَثُ، مَعَ أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ لَيْسَتْ بِحَدَثٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ لَكِنْ أُبِيحَ لَهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ"اهـ (8) . ومِمَّا اسْتَدَلُّوا به على أَنَّ الحَدَثَ والجَنَابَةَ لا يَزَالانِ بَاقِيَيْنِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ مَا عَلَّقَهُ البُخَارِيّ عن َعمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ ) )فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ الله تعالى يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} . فَضَحِكَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا" (9) . ومحل الشَّاهِدِ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ"فإنَّهُ أَثْبَتَ بَقَاءَ جَنَابَتِهِ مع التَّيَمُّمِ."
ولَكِنَّ هذا الحديث لَيْسَ نَصًَّا على بَقَاءِ الجَنَابَةِ بعد التَّيَمُّمِ، فَقَدْ قال الشيخ الشَّنقيطي:"يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عن قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟!"بِأنَّهُ قال له ذلك قَبْلَ أَنْ يَعَلَمَ عُذْرَهُ بِخَوْفِ المَوْتِ إِنِ اغْتَسَلَ، وبَعْدَ أَنْ عَلِمَ عُذْرَهُ أَقَرَّهُ وَضَحِكَ"اهـ (10) ."
وأمَّا احْتِجَاجُهُم بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ" (11) فإنّهُ لا يَدُلُّ على أَنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ أَصْلًا، وإِنَّمَا يَدُلُّ على أنَّهُ لا يَرْفَعُهُ نَهَائِيًَا، وإِنَّمَا يَرْفَعُهُ مُؤْقَتًَا لِحِيْنِ وُجُودِ المَاءِ، وهذا هو عَيْنُ ما يَقُولُهُ الحَنَفِيَّةُ ومَنْ وَافَقَهُم من أهْلِ العِلْمِ. قال فِي"الموسوعة الفقهية": اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَوْعِ الْبَدَل هَل هُوَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ أَوْ بَدَلٌ مُطْلَقٌ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَثَ لاَ يَرْتَفِعُ بِالتَّيَمُّمِ، فَيُبَاحُ لِلْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً لِلضَّرُورَةِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ:"فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَك". وَلَوْ رَفَعَ التَّيَمُّمُ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ، وَإِذَا رَأَى الْمَاءَ عَادَ الْحَدَثُ، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَأُبِيحَتْ لَهُ الصَّلاَةُ لِلضَّرُورَةِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ أَجَازُوا بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَلاَةَ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَوَائِتَ فِي الْوَقْتِ إِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ قَبْل الْوَقْتِ وَلأِكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ وَلِغَيْرِ الْفَرْضِ أَيْضًا لأَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إِلَى وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ بِمُبِيحٍ فَقَطْ، وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى الْوُضُوءِ؛ وَلأَنَّ التَّوْقِيتَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَلاَ دَلِيل فِيهِ. وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ إِنَّمَا هُوَ لِحَوْزِ فَضِيلَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مُوقِنًا بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ لِيُصَلِّيَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ، فَإِنْ خَالَفَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى كَانَتْ صَلاَتُهُ بَاطِلَةً وَيُعِيدُهَا أَبَدًا. وَالشَّافِعِيَّةُ خَصُّوا أَفْضَلِيَّتَهُ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ بِحَالَةِ تَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ - مَعَ جَوَازِهِ فِي أَثْنَائِهِ - لأَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ الأَصْل وَالأَكْمَل، فَإِنَّ الصَّلاَةَ بِهِ - وَلَوْ آخِرَ الْوَقْتِ - أَفْضَل مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَهُ. أَمَّا إِذَا ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِهِ، فَتَعْجِيل الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ أَفْضَل فِي الأَظْهَرِ؛ لأِنَّ فَضِيلَةَ التَّقْدِيمِ مُحَقَّقَةٌ بِخِلاَفِ فَضِيلَةِ الْوُضُوءِ. وَالْقَوْل الثَّانِي: التَّأْخِيرُ أَفْضَل. أَمَّا إِذَا شَكَّ فَالْمَذْهَبُ تَعْجِيل الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ. وَمَحَل الْخِلاَفِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ صَلَّى أَوَّل الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ وَبِالْوُضُوءِ فِي أَثْنَائِهِ فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي إِحْرَازِ