فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 2668

"فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلّ"أيْ فلا شَيْءٌ يَمْنَعُهُ من الصَّلاةِ، لأَنّهُ سَيَجِدُ فِي أَرْضِ اللهِ مَسْجِده، وفِي صَعِيدِهَا طهوره، إِنْ فَقَدَ المَاء فَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ حيث كان، كما فِي حديث أَبِي أُمَامَةَ:"وَجَعَلَ الأَرْضَ كُلَّهَا لِى وَلأُمَّتِى طَهُورًا وَمَسْجِدًا؛ فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتِ الرَّجُلَ مِنْ أُمَّتِى الصَّلاَةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورِهِ" (3) .

ثالثها: أنَّهُ"وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي"وقد كان الأَنْبِيَاءُ السَّابِقُونَ على قِسْمَيْنِ، مِنْهُم مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ له فِي القِتَالِ أَصْلًا، وَمِنْهُم مَنْ أُذِنَ لَهُ، فَإِنْ غَنِمَ شَيْئًَا أَخَذَتْهُ نَارٌ من السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ.

رابعها:"وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ"العُظْمَى لِفَصْلِ القَضَاءِ، وإِرَاحَةِ النَّاسِ من شِدَّةِ ذَلِكَ المَوْقِفِ الرَّهِيبِ.

خامسها:"وَكَانَ النَّبِيّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً"؛ بَلْ إِلَى الثَّقَلَيْنِ جَمِيعًَا.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أَنَّ من خَصَائِصِ هذه الأُمَّةِ التي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهَا بِالإِسْلامِ أَنْ جَعَلَ لَهَا الأَرْضَ مَسْجِدًَا وطَهُورًَا، أيْ مطهرة للمُسْلِمِ من الحدث والجنابة، فَيَتَطَهَّرُ بالتَّيَمُّم بِهَا عند عَدَمِ المَاءِ، كما يَتَطَهَّرُ بِالوُضُوءِ والغُسْلِ عند وُجُودِ المَاءِ. وفيه دَلِيلٌ على أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مُطْلَقٌ عن الوُضُوءِ والغُسْلِ، حكمه حكمهما فِي جَوَازِ أَدَاءِ الفَرَائِضِ المُتَعَدِّدِةِ بِهِ والنَّوافِلِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أو يَجْدِ المَاءَ. قَالَ العَيْنِيُّ:"ثُمَّ إِنَّ البُخَارِيّ ذكر عَن الْحَسَنِ مُعَلّقًا، وَوَصَلهُ ابْن أبِي شيبَة: حدّثنا هشيم عَن يُونُس عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لاَ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ إِلاَّ الْحَدَثُ)، وعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَقَالَ ابْن حزم: وروينا عَن حَمَّاد بن سَلمَة، يَعْنِي من (مُصَنفه) عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحَسَنِ، قَالَ: (يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ الْوضُوءِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ". وَأَمَّ ابنَ عَبَّاسٍ وهْوَ مُتَيَمِّمٌ؛ وهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن بِي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. ثُمَّ وَجه مُنَاسبَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّ التَّيَمُّمَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تَجُوزُ إِمَامَةُ الْمُتَيَمِّمِ للمُتَوَضِّئِ كإِمَامَةِ المُتَوَضِّئِ، فَدلَّ ذَلِك على أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ غير ضَرُورِيَّة، إِذْ لَو كَانَ ضَرُورِيًّا لَكَانَ ضَعِيفًا، وَلَو كَانَ ضَعِيفًا لَمَا أَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٍ بِمَنْ كَانَ مُتَوَضِّئًَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابنَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْر. عَن مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يَجُوزُ، وَبِه قَالَ الْحسن بن حييّ، وَكره مَالك وَعبد ابْن الْحسن ذَلِك، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) اهـ (4) . وذلك لأَنَّ التَّيَمُّم - عندهم - بَدَلٌ مُطْلَقٌ يَرْتَفِعُ بِهِ الحَدَثُ إلى وَقْتِ وُجُودِ المَاءِ فِي حَقِّ الصَّلاةِ المُؤدَّاةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إنَّ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ مَا لَمْ يُوجَدَ الْمَاءُ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَك"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (5) . ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث الباب:"وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًَا"والطَّهُورُ اسْمٌ للمُطَهِّرِ، فَيَدُلُّ على أَنَّ الحَدَثَ يَزُولُ بالتَّيَمُّمِ زَوَالًا مؤقتًا إلى غايَةِ وُجُودِ المَاءِ، فإذَا وَجَدَ المَاء عَادَ الحَدَثَ" (6) ."

قال فِي"الموسوعة الفقهية":"وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ لَكِنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةُ بِهِ وَنَحْوُهَا لِلضَّرُورَةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً"اهـ (7) . وقال الشَّافِعِيُّ:"التَّيَمُّمُ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ، وَعَنَى بِهِ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً لِلضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَجْهُ قَوْلِهِ: لِتَصْحِيحِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت