رَوَيْنَا عَنْ عبد الرحمن ابن أَبِي لَيْلَى قَالَ:"أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يسئل أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ. وفِي رواية:"ما منهم من يحدث بحديث إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفاه إياه ولا يُسْتَفْتَى عن شيءٍ إلا وَدَّ أنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا"."
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ:"مَنْ أَفْتَى عَنْ كُلِّ مَا يُسْئَلُ فَهُوَ مَجْنُونٌ".
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَأَبِي حَصِينٍ بفتح الحاء التَّابعين قَالُوا:"إنَّ أَحَدَكُمْ لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لجمع لها أَهْلَ بَدْرٍ!".
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ"التَّابِعِيِّ":"أدركت أقوامًا يُسْئَل أحدهم عن الشَّيْءِ فَيَتَكَلَّمُ وَهُوَ يُرْعَدُ".
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ:"إذَا أَغْفَلَ الْعَالِمُ: لَا أَدْرِي! أُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ".
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَسَحْنُونٍ:"أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا".
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُجِبْ! فَقِيلَ لَهُ. فَقَالَ: حَتَّى أَدْرِيَ أَنَّ الْفَضْلَ فِي السُّكُوتِ أَوْ فِي الْجَوَابِ.
وَعَنْ الْأَثْرَمِ:"سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي؛ وَذَلِكَ فِيمَا عُرِفَ الْأَقَاوِيلُ فِيهِ".
وَعَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ:"شَهِدْتُ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً؟ فَقَالَ في ثنتين وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي."
وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أنَّه رُبَّمَا كان يُسْئَلُ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً فَلَا يُجِيبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا؛ وَكَانَ يَقُول: ُ مَنْ أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيَنْبَغِي قَبْلَ الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَكَيْفَ خَلَاصُهُ ثُمَّ يُجِيبُ! وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي! فَقِيلَ: هِيَ مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ! فَغَضِبَ وَقَالَ: لَيْسَ فِي العلم شَيْءٌ خَفِيفٌ"."
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:"مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ آلَةِ الْفُتْيَا مَا جَمَعَ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ أَسْكَتَ مِنْهُ عَنْ الفتيا!". وقال أبو حنيفة:"لَوْلا الْفَرَقُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَضِيعَ الْعِلْمُ مَا أَفْتَيْتُ! يَكُونُ لَهُمْ الْمَهْنَأُ وَعَلَيَّ الْوِزْر؟!"ُ.
وَأَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ"اهـ (9) ."
والخلاصة:"لَفْظَ التَّقْلِيدِ يُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَرُبَّمَا قَبِلَ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَرُبَّمَا قِيلَ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِخَبَرٍ مِنْ أَيْنَ يَقُولُ الْمَعْنَى الثَّانِي لِلتَّقْلِيدِ أَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ لَا الْمُوجِبُ وَرُبَّمَا قِيلَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا الْمُوجِبُ. إنْ عَرَفْت مَعْنَى التَّقْلِيدِ فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَدْ يَكُونُ ظَنًّا وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا كَمَا يُرَى فِي تَقْلِيدِ إمَامٍ فِي فَرْعٍ مِنْ الْفُرُوعِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي خِلَافِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ، وَإِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَكْفِي فِي أُصُولِ الدِّينِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا. وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا الْمُوجِبُ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ إلَّا أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ"اهـ (10) .