دَائِرُونَ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَالْمُجْتَهِدُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَخْذِ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ، وَالْمُقَلِّدُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَخْذِ بِاَلَّذِي يَقْتَضِي خِلَافَ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَصِحُّ الْوَرَعُ الَّذِي يَقْتَضِي خِلَافَ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّهِ وَخِلَافَ مَذْهَبِ الْمُقَلِّدِ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ"اهـ (6) ."
وقال العَلَّامَةُ أبُو إِسْحَاقَ الحُوَيْنِيّ حفظه الله: (حَرَّمَ العُلَمَاءُ على أهْلِ النَّظَرِ التَّقْلِيدَ، وقَالُوا:"إنَّمَا يَلْجَأُ المَرْءَ إلى التَّقْلِيد ِكما يَلْجَأُ المُضْطَرُّ إلى أَكْلِ المَيْتَةِ"اهـ. والمُقَلِّدُ لا يَمْلِكُ حُجَّةً فِي يَدِهِ، وقَالَ العُلَمَاءُ:"لَا يَجُوزُ للمُقَلِّدِ أنْ يَتَعَرَّضَ للإِفْتَاءِ؛ قال فِي"المدخل المُفَصَّلِ لمذهب الإمام أحمد":"أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ للمُقَلِّدِ أَنْ يَقُولَ: هذا حَلالٌ، وهذا حَرَامٌ، فِيمَا قَلَّدَ غيره فيه فِي مواضع الاجتهاد، ولكن يقول: هذا هو حكم كذا فِي مذهب الإمام الذي قلدته، أو استفتيته فَأُفْتِي به". ويُذْكَرُ عن الطَّحاوي قوله:"لَا يُقَلِّدُ إلا عَصَبِيٌّ أو غَبِيٌّ(7) "اهـ."
قال فِي"المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية": (وقد نُقِلَ عن أبي بكر القَفَّال، وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين من الشَّافِعِيَّةِ أنَّهُم كانوا يقولون:"لسنا مُقَلِّدين للشَّافعيِّ، بل وافق رَأْيَنَا رَأْيَه". وهذا هو الظَّاهِرُ أيضًا من حال الإمام أبِي جعفر الطَّحاوي فِي أخذه بمذهب أبِي حنيفة، واحتجاجه له، وانتصاره لأقواله، حيث قال فِي أول كتاب "شرح الآثار":"أذكر فِي كل كتاب ما فيه النَّاسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحُجَّةِ لمن صَحَّ عندي قوله منهم، رَيْثَمَا يَصِحُّ فيه مثله من: كتاب، أو سُنَّة، أو إجماع، أو تواتر من أقاويل الصَّحَابَةِ، أو تابعيهم رضي اللَّه عنهم أجمعين". وأما قول ابن كمال باشا فِي: الخصاف، والطحاوي، والكرخي:"أنَّهُم لا يقدرون على مخالفة أبِي حنيفة، لا فِي الأصول، ولا فِي الفروع!"، فليس بِصَحِيحٍ، بل هو مخالفٌ للواقع، فإنَّ ما خالفوا فيه أبا حنيفة من الأحكام لا يُعَدُّ، ولا يُحْصَى، ولهم اختيارات فِي الأُصُول والفروع، وأقوال مُسْتَنْبَطَة، احتجوا عليها بالمنقول والمعقول، كما لا يخفى على من تتبع كتب الفقه، خصوصًا الخلافيات. وقد انفرد الكرخي عن أبي حنيفة وغيره في: أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة أصلًا، وأن خبر الواحد في حادثة تعم بها البلوى، ومتروك المحاجة به عند الحاجة كل منهما ليس بحجة أصلًا. وانفرد أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص بأن العام الخصوص حقيقة إن كان الباقي جمعًا، وإلا فمجاز، وهذا كله من مسائل الأصول"اهـ(8) ."
وأمَّا عن الإفتاء: فقد قال فِي "المجموع شرح المهذب":"اعْلَمْ أَنَّ الْإِفْتَاءَ عَظِيمُ الْخَطَرِ كَبِيرُ الْمَوْقِعِ كَثِيرُ الْفَضْلِ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليهم وقائم بفرض الكفاية لكنه مُعَرِّضٌ لِلْخَطَأِ وَلِهَذَا قَالُوا الْمُفْتِي مُوقِعٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ العالم بين الله تعالى وخلقه فينظر كَيْفَ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ."
وَرَوَيْنَا عَنْ السَّلَفِ وَفُضَلَاءِ الْخَلْفِ مِنْ التَّوَقُّفِ عَنْ الْفُتْيَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَعْرُوفَةً نَذْكُرُ مِنْهَا أَحْرُفًا تَبَرُّكًا: