فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 2668

الْقَدِيمِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَأَفْتَوْا بِهِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا: قَالَ أَبُو عمر وفيكون اخْتِيَارُ أَحَدِهِمْ لِلْقَدِيمِ فِيهَا مِنْ قَبِيلِ اخْتِيَارِهِ مَذْهَبَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ فإنَّه إنْ كان إذًا اجْتِهَادٍ اُتُّبِعَ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِتَقْلِيدٍ نَقَلَ ذَلِكَ الشَّوْبَ مِنْ التَّقْلِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ. وَإِذَا أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ فَيَقُولُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ كَذَا"اهـ (4) ."

"وَنَقَلَ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِجَزِيلِ الْمَوَاهِبِ فِي اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ مِنْ فَصْلِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ: وَهُوَ جَائِزٌ .... إلَى أَنْ قَالَ: وَأَقُولُ: لِلْمُنْتَقِلِ أَحْوَالٌ:"

الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الِانْتِقَالِ أَمْرًا دُنْيَوِيًّا كَحُصُولِ وَظِيفَةٍ أَوْ مُرَتَّبٍ أَوْ قُرْبٍ مِنْ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ الدُّنْيَا فَهَذَا حُكْمُهُ كَمُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا ثُمَّ لَهُ حَالَانِ:- الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَارِيًّا مِنْ مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ لَيْسَ لَهُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ سِوَى اسْمِ شَافِعِيٍّ أَوْ حَنَفِيٍّ كَغَالِبِ مُتَعَمِّمِي زَمَانِنَا أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ فِي الْمَدَارِسِ فَهَذَا أَمْرُهُ فِي الِانْتِقَالِ أَخَفُّ لَا يَصِلُ إلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ عَامِّيٌّ لَا مَذْهَبَ لَهُ يُحَقِّقُهُ فَهُوَ يَسْتَأْنِفُ مَذْهَبًا جَدِيدًا. ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي مَذْهَبٍ وَيُرِيدَ الِانْتِقَالَ لِهَذَا الْغَرَضِ فَهَذَا أَمْرُهُ أَشَدُّ وَعِنْدِي. أَنَّهُ يَصِلُ إلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ تَلَاعُبٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيّةِ لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الدُّنْيَا.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِانْتِقَالُ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ وَلَهُ صُورَتَانِ:-

الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي مَذْهَبِهِ وَقَدْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الْمَذْهَبُ الْآخَرُ لِمَا رَآهُ مِنْ وُضُوحِ أَدِلَّتِهِ وَقُوَّةِ مَدَارِكِهِ فَهَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ أَوْ يَجُوزُ - كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ -؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِصْرَ تَحَوَّلَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا شَافِعِيَّةً بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَالِكِيَّةً.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَارِيًّا مِنْ الْفِقْهِ وَقَدْ اشْتَغَلَ بِمَذْهَبِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ وَوَجَدَ مَذْهَبَ غَيْرِهِ سَهْلًا عَلَيْهِ سَرِيعًا إدْرَاكَهُ بِحَيْثُ يَرْجُو التَّفَقُّهَ فِيهِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ قَطْعًا وَيَحْرُمُ التَّخَلُّفُ لِأَنَّ التَّفَقُّهَ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَيْرٌ مِنْ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْجَهْلِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ التَّمَذْهُبِ سِوَى اسْمِ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ أَوْ مَالِكِيٍّ فَالتَّمَذْهُبُ عَلَى مَذْهَبِ أَيِّ إمَامٍ كَانَ خَيْرٌ مِنْ الْجَهْلِ بِالْفِقْهِ عَلَى كُلِّ الْمَذَاهِبِ فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالْفِقْهِ تَقْصِيرٌ كَبِيرٌ، وَقَلَّ أَنْ تَصِحَّ مَعَهُ عِبَادَةٌ.

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الِانْتِقَالُ لَا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ وَلَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ بَلْ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَصْدِ. فَهَذَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ وَيُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ لِلْفَقِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِقْهُ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَاجُ إلَى زَمَنٍ آخَرَ لِتَحْصِيلِ فِقْهِ هَذَا الْمَذْهَبِ، فَيَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ الْأَهَمُّ: مِنْ الْعَمَلِ بِمَا تَعَلَّمَهُ، وَقَدْ يَنْقَضِي الْعُمُرُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَذْهَبِ الثَّانِي، فَالْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الرِّسَالَةِ"اهـ (5) ."

قال فِي"الفروق"للقرافي:"وَلَا بُدَّ لِمَنْ حُكْمُهُ التَّقْلِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِالتَّقْلِيدِ، فَإِذَا قَلَّدَ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَتَمَكَّنُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَفِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ، وَلَا أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت