"فَقَالَ لَهُ مُوسَى: (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) "أي لو أَرَدتَّ أنْ تأخذ على عملك هذا أجرًا لكان من حَقِّكَ، لا سِيَّمَا من قوم أَشِحَّاء بخلوا علينا ونحن جِياعٌ (قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) أي سؤالك هذا هو السُّؤال الأخير المُفَرِّقُ بيننا، ثُمَّ فَسَّرَ له هذه الأمور الثَّلاثَةِ فقال: أمَّا السَّفِينَةُ فكانت لأُنَاسٍ ضُعَفَاءَ يعيشون منها وكان هناك مَلِكٌ ظَالِمٌ لا يَدَعُ سفينةً سليمةً إلّا اغْتَصَبَهَا، فخرقتها لتنجو منه. وأمَّا الغلام فمطبوع على الكفر وأَخْشَى على والِدَيْهِ أنْ يحملهما حبهما له على الكُفْرِ باللهِ تعالى. وأمَّا الجِدَارُ فهو لغلامين يتيمين تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحًا فأراد الله أنْ يحفظه لهما، فَأَقَمْتُ ذلك الجدار امْتِثَالًا لأمر ربِي."قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ"أي أحببت وتمنيت لو صبر مع العبد الصَّالِحِ، ولزمه مُدَّةً أَكْثَرَ"حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا"أيْ حتى يقص علينا أشياء كثيرة مما وقع لهما.
ويستفاد منه فوائد كثيرة:
منها: فضيلةُ العلمِ، والرِّحْلَةُ فِي طلبه: فَإِنَّ مُوْسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحَلَ مَسَافَاتٍ طَوِيلَةٍ ولَقِيَ النَّصَبَ في طلبه.
ومنها: التَّأدُّبُ مع المُعَلِّم، والتَّلَطُّف في مخاطبته لِقَوْلِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا"؛ حيث أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة فاستأذن منه في مصاحبته وأقر أنَّه يتعلم منه علمًا هو في حاجة إليه يستفيد منه ويسترشد به.
ومنها: تَوَاضُعُ الفَاضِلِ للتَّعَلُّمِ مِمَّنْ دونه، وذلك ليأخذ منه العلم الذي مهر فيه، وإنْ كان دُوْنَهُ في العِلْمِ والفَضْلِ بدرجات كثيرة، فلا شَكَّ أنَّ مُوسَى أفْضَل من الخَضِرِ، ولكن لما كان عند الخَضِرِ من هذا العلم الخاص ما ليس عند مُوسَى حرص على التَّعلم منه"اهـ."
ومنها: أنَّهُ ينبغي للعَالِمِ مَهْمَا بلغ من العلم إذا سئل أيُّ النَّاس أعلم؟ أنْ يكل العلم إلى الله تواضُعًَا وتأدبًا فيقول: اللهُ أعلم.
قال الشَّيخ أبُو الوليد الغَزْيِّ حفظه الله فِي مُحَاضَرَةٍ له تعليقًا عن قِصَّةِ مُوسَى والخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ:
• مُخَالَفَةُ الأَمْرِ مَعْصِيَةٌ وأَنَّ الوَاجِبَ على التِّلْمِيذِ الامْتِثَالُ لأَمْرِ الشَّيْخِ إلا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةٌ ظَاهِرَةٌ (ليس لها مُسْتَسَاغٌ شَرْعِيٌّ) .
• تَقْدِيمُ الاعْتِذَارِ على عِلَّةِ السَّبَبِ:"قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا".
• إذا تَكَرَّرَ الخَطَأُ يُغَلَّظُ فِي المُعَاتَبَةِ:"قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا"؛ وهي قَاعِدَةٌ فِي التَّرْبِيَةِ: أَنَّ الخَطَأَ الأَوَّل يُعَالَجُ بِالتَّنْبِيهِ.
• النِّسْيَانُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ فإِنْ تَكَرَّرَ دَلَّ ذلك على دَأَبٍ وعَادَةٍ وخُلُقٍ ذَمِيمٍ.