فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 2668

"فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ". وليس النَّقْصُ هنا على حقيقته، لأَنَّ علم الله لا يُنْقِصُهُ شَيْءٌ، وإِنَّمَا المراد أنَّ علمي وعلمك بالنِّسْبَة إلى العلم الْإِلَهِيّ كنسبة قطرة الماء إلى هذا البحر، وهذا التَّشْبِيهُ أيضًا ليس على حقيقته وإِنَّمَا المراد به التَّوضيح والتَّقْرِيبِ للأذهان.

"فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ"أي فلما بلغت السفينة لجج البحر عَمدَ الخَضِرُ إليها بيده عمدًا، فاقتلع بفأسه لوحًا أو لوحين من جهة البحر، ولكن الماء لم يدخلها"فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا"أي مددت يدك إلى سفينتهم، فخرقتها عمدًا"لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟!"أي ألا تعْلم أنَّ خَرْقَكَ لهذه السفينة يؤدي إلى دخول الماء إليها فيكون نتيجة فعلك هذا وعاقبته (7) إغراق السَّفِينَة بمن فيها. (قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) أي قال الخَضِرُ لموسى مذكِّرًا له بما قاله له سابقًا: ألم أقل لك إنك لا تقدر على مصاحبتي لأنَّك لا تطيق السُّكُوتَ على ما تراه مِنِّي من أمور غريبة!"قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ"أي فاعتذر موسى للعبد الصَّالح وقال له: لا تلمني على سؤالي هذا، فإِنَّمَا سألتك ناسيًا وغافلًا عن الوعد الذي قطعته لك على نفسي، ولا حرج على النَّاسِي فيما يصدر عنه! وقال في الآية التي في سورة الكهف (وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) أي ولا تُشَدِّدْ عليَّ أثناء مصاحبتي لك بكثرة اللُّوم والمعاتبة (فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) .

"فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ"أي فسارا في طريقهما فإذا بهما يجدان صبيًا صغيرًا لم يبلغ الحلم بعد"فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ"أي فأمسك الخَضِرُ برأس ذلك الصَّبِيِّ"فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ"أي فانتزع رأسه من جسده"فَقَالَ مُوسَى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) "أي فلم يطق مُوسَى صَبْرًَا على ما رأى، وَوَجَّه إلى الخضر إنكارًا شديدًا على فعلته هذه، وقال له: كيف تقتل نفسًا بريئة لم تقتل أحدًا مع أنها لو قتلت لم تستوجب القتل، لأنها لا تزال صغيرة لم تبلغ الحلم؟!"لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا". وهنا أعاد الخَضِرُ على مُوسَى ما سَبَقَ أنَّ قاله له بِصِيْغَةٍ أقوى وآكد حيث قال له: (أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) فأتى بضمير المُخَاطَبِ المسبوق بلام الجر لزيادة التَّأكيد. (فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) وهي قرية أنطاكية وكانا جائعين (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) أي فطلبا من أهل تلك القرية الطَّعَامَ، ولَكِنَّهم كانوا بُخَلاء فَشَحُّوا عليهم (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) أي فامتنعوا عن إطعامهم وضيافتهم (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ) أي فَوَجَدَا في تلك القرية جدارًا خَرِبًا موشكًا على السُّقُوطِ. قال الطَّبَرِيُّ:"عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} قَالَ: رَفَعَ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى وَمُوسَى وَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ صَاحِبُ مُوسَى، بِمَعْنَى: عَدَلَ مَيْلَهُ حَتَّى عَادَ مُسْتَوِيًا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ بِإِصْلَاحٍ بَعْدَ هَدْمٍ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِرَفْعٍ مِنْهُ لَهُ بِيَدِهِ، فَاسْتَوَى بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وَزَالَ عَنْهُ مَيْلُهُ بِلُطْفِهِ، وَلَا دَلَالَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا خَبَرٍ لِلْعُذْرِ قَاطِعٌ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ"اهـ (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت