فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 2668

"فالجمهور على أنَّه عليه السَّلامُ نَبِيٌّ وَلَيْسَ بِرَسُولٍ، وقيل هو رَسُولٌ، وقيل هو وَلِيٌ؛ وعليه القُشَيْرِي وجماعة، والمنصور ما عليه الجمهور. وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة وبمجموعها يكاد يحصل اليَقِين"اهـ (3) .

واستدل القائلون بنبوته بقوله كما حكى الله عنه: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) أي وإِنَّمَا فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى، لأنَّ تنقيص أموال النَّاسِ، وإراقة دمائهم لا يكون إلا بِنَصٍّ وأَمْرٍ إِلَهِيٍّ صادرٍ عن وَحْيٍ سَمَاويٍّ، وذلك للأنبياء خاصة، ولهذا قَالَ العَيْنِيُّ:"إِنَّ قَوْله: {وَمَا فعلته عَن أَمْرِي} يدل على أَنَّه فعله بِالْوَحْي، فَلَا يجوز لأحد أَنْ يقتل نفسًا لما يتَوَقَّع وُقُوعه مِنْهَا، لِأَنَّ الْحُدُود لَا تجب إِلَّا بعد الْوُقُوع، وَكَذَا لَا يقطع على أحد قبل بُلُوغِه، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن الْغَيْب، وَكَذَا الْإِخْبَار عَن أَخذ الْملك السَّفِينَة، وَعَن اسْتِخْرَاج الغلامين الْكَنْز، لِأَنَّ هَذَا كُله لَا يدْرك إلاَّ بِالْوَحْي"اهـ (4) .

قال الألوسي:"وهو أي الاستدلال بهذه الآية الكريمة على نبوة الخضر ظاهر في ذلك، واحتمال أنْ يكون هناك نَبِيٌّ أمره بذلك عن وَحْيٍّ كما زَعَمَهُ القائلون بولايته احتمالٌ بعيدٌ؛ على أنَّه ليس في وصفه بقوله تعالى:"آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"على هذا كثير فائدة بل قد يقال: أيُّ فائدةٍ في هذا العلم اللَّدُنِيِّ إذا احتاج في إظهار العجائب لموسى عليه السّلام إلى توسيط نبيٍّ مثله. ومما اختلف فيه أهل العلم أيضًا مسألة: هل الخَضِرُ عليه السَّلامُ حَيٌّ الآن أم هو قد مات؟ والصَّحِيحُ أنَّهُ قد مات، فقد سئل البُخَارِيّ عنه وعن إلياس عليهما السَّلامُ هل هُمَا حَيَّانِ؟ فقال:"كيف يكون هذا وقد قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". والذي في صحيح مسلم:"عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِئَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ"وهذا أبْعَدُ عن التَّأْوِيلِ.

وسئل شيخ الإِسلام ابن تيميّة عن الخَضِرِ فقال:"لو كان الخَضِرُ حَيًَّا لوَجَبَ عليه أنْ يأتيَ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويجاهد بين يديه ويتعلم منه، وقد قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر:"اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ"أخرجه مسلم؛ وكانوا ثلاثمائة وثَلاثَةَ عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين الخَضِرُ حِيْنَئِذٍ؟!"اهـ (5) ."وَعَامَّةُ مَا يُحْكَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْحِكَايَاتِ بَعْضُهَا كَذِبٌ وَبَعْضُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّ رَجُلٍ: مِثْلُ شَخْصٍ رَأَى رَجُلًا ظَنَّ أَنَّهُ الْخَضِرُ وَقَالَ: إنَّهُ الْخَضِرُ كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ تَرَى شَخْصًا تَظُنُّ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْمُنْتَظَرُ الْمَعْصُومُ أَوْ تَدَّعِي ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ الْخَضِرُ: مَنْ أَحَالَك عَلَى غَائِبٍ فَمَا أَنْصَفَك. وَمَا أَلْقَى هَذَا عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ إلَّا الشَّيْطَانُ"اهـ (6) .

"قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا"على ملازمتك"وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا"؛"فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) أي بغير أجرة"قال: فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ"أي فنزل على طرفها؛ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت