فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 2668

فَرِسَالَةُ مُوسَى أَعْظَمُ وَأُمَّتُهُ أَكْثَرُ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَغَايَةُ الْخَضِرِ أَنْ يَكُونَ كَوَاحِدٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُوسَى أَفْضَلُهُمْ. وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ بَلْ وَلِيٌّ فَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِيِّ وَهُوَ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا) اهـ (1) .

"قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟"أيْ وكيف أهتدي إليه وأَعْثُرُ عليه"فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ"أي في زنبيل"فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ"أي فإنَّ الخَضِرَ هناك في ذلك المكان الذي تفقد فيه الحوت"فَانْطَلَقَ"أي فَسَارَ مُوْسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصحبة فَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ"حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ"التي على السَّاحِلِ"وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا"أي فَصَارَ الطَّرِيقُ الذي سار فيه الحوت مثل السَّرَبِ وهو الشِّقُّ الطَّوِيلُ الذي لا نفاذ له، لأنَّ الله أمسك عن الحوت جري الماء وجمده فانحاز عنه، وصار كالكوة، ولم يلتئم كما كان،"وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا"أي ورأى موسى وفتاه منظرًا عجيبًا."فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: (آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) "أْي لقد أصبحنا نشعر بالتعب وشدة الجوع بسبب طول سفرنا فأعطنا بعض الطعام"فقال فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) "أي هل علمت أنَّنَا عِنْدَمَا نِمْنَا تحت تلك الصَّخْرَةِ استيقظت أنا، فرأيت الحوت قد دَبَّتْ فيه الحَيَاةُ، فانْتَفَضَ وألقى بنفسه في البحر، وأردت إخبارك بذلك فَنَسِيتُ."قال موسى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) "أي هذا ما كنا نريده ونبحث عنه، وتلك هي ضالتنا المنشودة، لأنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ هو في ذلك المكان الذي فقدنا فيه الحوت (فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا) أي فعادا يتتبعان آثارهما.

فلما انتهيا إِلَى الصَّخْرَةِ"إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ"أي مغطى بثوب"فَسَلَّمَ مُوسَى"،"فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟"أيْ كيف سمعت منك كلمة السَّلامِ، وأهل هذه الأرض لا يَعْرِفُونَهَا؟! فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) "أي هل تَأْذَنَ لي في صحبتك لأتعلم منك علمًا ينفعني وأَسْتَرْشِدُ به. (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) . قال ابن كثير رحمه الله:"أي لا تقدر على مصاحبتى لِمَا تَرَى مِنِّي مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُخَالِفُ شَرِيعَتَكَ"اهـ"يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ"أي وإِنَّمَا لا تستطيع الصَّبْرَ على مصاحبتي لأَنِّي أنفرد بعلم مُخَالِفٌ لعلمك، وهو العلم بهذه الأمور التي أوحى الله تعالى بها إلى الخَضِرَ وأطلعه عليها، وخصه بها دون موسى (2) والتي من ضمنها علمه بذلك الملِك الذي يغتصب السُّفُنَ البحرية، والغلام الذي طبع كافرًا، وبالغلامين اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحًا، وبالكنز الذي لهما المدفون تحت الجدار."وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ"أي وأنت على علم انفردت به عني لا أعلم منه شيئًا، وهو العلم بالشَّرِيعَةِ وبالكتاب الذي أنزل عليك."

واختلف أهل العلم في علم الخَضِرِ الذي انفرد به عن مُوسَى عليهما السَّلامُ: هل هو علم وحي ونبوة، أم علم فراسة وإلهام؟ وهل هو نَبِيٌ أم وَلِيٌ؟ والصَّحِيحُ أنَّه نَبِيٌ، قال في"فتح الباري":"وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيٌّ لِعِدَّةِ مَعَانٍ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِ وَمَا فعلته عَن أمرى وَكَاتِّبَاعِ مُوسَى رَسُولِ اللَّهِ لَهُ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ وَكَإِطْلَاقِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ وَكَإِقْدَامِهِ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ لِمَا شَرَحَهُ بَعْدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ". وقال الألوسي:"فيه أقوال ثلاثة:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت