ثالثًا: أَنَّ قَاتِلَ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ عَمْدًَا بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ يُقْتَلُ قِصَاصًَا، وهذا هو مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وهو ما تَرْجَمَ لَهُ البُخَارِيّ. ولا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكَافِرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأَ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" (4) . قال فِي"المجموع":"لا يُقْتَلُ المسلم بالكافر، سواءٌ كان الكافر ذِمِيَّا أو مُسْتَأْمَنًا أو مُعَاهِدًا، وروي ذلك عن: عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت ومعاوية، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز والزُّهْري والثَّوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وعطاء وعكرمة والْأَوْزَاعِيّ ومالك، وقال الشعبي والنخعي وأبو حنيفة يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل بالمستأمن، وهو المشهور عن أبى يوسف، وروي عن أبي يوسف أنه قال: يقتل بالمستأمن"اهـ (5) . وقال الحافظ فِي"الفتح":"وَأَمَّا تَرْكُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قَتَلَ غِيلَةً أَنْ يُقْتَلَ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَهِيَ لَا تُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ يُقْتَلُ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمَجُوسِيِّ"اهـ (6) .
وقال"الزَّرْقاني":"وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِعُمُومِ قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ وَعَلَى قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ:"لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ"وَحَكَى الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ"اهـ (7) . وقال فِي"المحلى":"عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَتَلَ نَبَطِيًّا بِذِي حُمَيْتٍ عَلَى مَالٍ مَعَهُ، فَرَأَيْت أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَمَرَ بِالْمُسْلِمِ فَقُتِلَ بِالنَّبَطِيِّ، لِقَتْلِهِ إيَّاهُ غِيلَةً فَرَأَيْته حَتَّى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ". قَالُوا: وَهَذَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ، إذْ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ خِيَارًا لِوَلِيِّهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ؟"اهـ (8) ."
رابعًا: أَنَّ الزَّانِيَ الثَّيِّبَ - أيْ المُحْصَنِ يُقْتَلُ حَدًَّا، فَكُلُّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ سَبَقَ لَهُ أَنْ جَامَعَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ رَجُلًا كَانَ أوْ امْرَأةً، إذا زَنَى، فَعُقُوبَتُهُ الرَّجْمُ بِالحِجَارَةِ حتَّى المَوْت.
خامسًا: أَنَّ المُرْتَدَ عَنِ الإِسْلامِ يُقْتَلُ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، فَإنْ تَابَ وعَادَ إلى دِينِهِ، وإلّا قُتِلَ حَدًَّا.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"النَّفْسُ بِالنَّفْسِ".