فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 2668

وإِنَّمَا أمرنا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتَّفكير في الموت، والانتقال إلى عالم آخر، يجازى فيه المرء على أعماله، خيرًا أو شرًا، لأن مجرد التفكير في ذلك المصير المحتوم، وفي ْذلك الموقف العظيم، يؤدي بالعبد إلى الاستقامة وحسن السُّلوك، والمواظبة على صالح الأعمال، فإنَّ الغُرور بالدُّنْيَا، والاستغراق في حُبِّها، والتَّكالب عليها هو سبب كل الشُّرور التي تعانيها الإنْسانية اليوم: من ظلم، واستبداد، وقلق، وعدوان، وهو مصداق الخبر:"حب الدُّنْيَا رأس كل خطيئة"أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيّ فِي"شعب الإيمان"بإسناده إلى الحسن البَصْرِيّ رفعه مرسلًا (3) . وقيل: (أَوْحى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا دَاودُ، تَزْعُمُ أَنَّكَ تُحِبُّنيِ؟ فَإِنْ ُكنْتَ تُحِبُّنِي فَأَخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِكَ، فَإِنَّ حُبِّي وَحُبَّهَا لاَ يَجْتَمِعَانِ فِيهِ) (4) .

ثانيًا: أنَّه يَنْبَغِي للعَاقِلِ مُسَابَقَةِ الزَّمَنِ، والمُبَادَرَةِ إلى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قبل فَوَاتِ الأَوَانِ كما قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ"فإنَّه يُحَذِّرنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في وصيته من تَأخِيرِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عن وقتها خَشْيَةَ أنْ تَحُولَ المَنِيَّةُ بيننا وبينها. وقَدْ كان مُحّمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ إذا أرَادَ النَّوْمَ قَالَ لأَهْلِهِ:"أسْتَوْدِعُكُم اللهَ، فَلَعَلِّي لا أقُومُ من نَوْمَتِي هذه". قال السيوطي:"الْحَثُّ على الْمُبَادرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا والاشْتِغَالُ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ المُتَكَاثِرَةِ المُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلامِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ لَا المُقْمِرِ" (5) ، وهو مصداق قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كما فِي حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"اغْتَنِمْ خَمْسًا قبْلَ خَمْسٍ: حَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وشَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"صححه الحاكم (6) ،(قال فِي"حِلْيَةِ الأولياء":"عَنْ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَعِيشُهُ الْمُؤْمِنُ غَنِيمَةٌ» ". وقال المزني:"ما من يوم أَخْرَجَهُ الله إلى الدُّنْيَا إلّا ويقول: اغْتَنِمْنِي لَعَلَّهُ لَا يَوْمَ لَكَ بَعْدِي، وَلَا لَيْلَةٍ إِلَّا تُنَادِي: ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي لَعَلَّهُ لَا لَيْلَةَ لَكَ بَعْدِي، وَلِبَعْضِهِمْ:"

اغْتَنِمْ فِي الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ

كَمْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَةْ) اهـ (7) .

وقال بعضهم:

لا تُرجِ فِعْلَ الخيْرِ يومًا إلى غدٍ ... لَعَلَّ غَدًا يصيْرُ إلى زَوَالِ

ثالثًا: أَنَّ فِي هذا الحَدِيثِ تَحْرِيضٌ على الإكْثَارِ من ذِكْرِ هَادِمَ اللَّذَاتِ وقد قال بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ:"من أَكْثَرَ ذِكْرَ المَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلاثَةٍ: تَعْجِيلُ التَّوْبَةِ، وقَنَاعَةُ القَلْبِ، والنَّشَاطُ فِي العِبَادَةِ. ومَنْ نَسِيَهُ عُوقِبَ بِثَلاثَةِ أشْيَاءٍ: تَسْويِفُ التَّوْبَةِ وعَدَمِ الرِّضَا بِالكَفَافِ، والتَّكَاسُلِ فِي العِبَادَةِ"اهـ (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت