قلت (يعني لأبي زرعة) :"مُحَمَّد بن عبد الرحمن الطفاوي؟ قال: ينكر، إلا أحمد حَدَّثَنَا عنه". وَعن الإمام أَحْمَد بنِ حَنْبَل:"كان يُدَلِّس". وَقَالَ بن معِين وأبو حاتم وأبو داود:"لَا بَأْس بِهِ". وَقَال عَليّ بْنِ الْمَدِينِيّ:"كان ثِقَةً". وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ"؛ وقال:"كان يغلو في التَّشَيُّعِ". وَتُوُفِّيَ سنة سبع وَثَمَانِينَ ومائة.
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا التِّرْمِذِيّ وأحمد وابْن مَاجَه.
معنى الحديث: يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي"أيْ أمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، وذلك لتَنْبِيهِهِ إلى التَّوَجُّهِ إليه والاسْتِمَاعِ إلى حَدِيثِهِ، والمِنْكَبُ مَجْمَعُ العَضُدِ والكَتِفِ"فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ"أيْ لا تَرْكُنَ إلى الدُّنْيَا، وكُنْ فِيهَا مِثْل الغَرِيبِ الذي لا يَعْلَقُ قَلْبُهُ إلاّ بِوَطَنِهِ، واعْلَم أَنَّ وَطَنَكَ الحَقِيقِيُّ هو الدَّارُ الآخِرَةُ. فلا تَغْتَرَّ بالدُّنْيَا، لأنَّهَا لَيْسَتْ دارُ خُلُودٍ وبَقَاءٍ، وإِنَّمَا هِيَ دَارُ زَوَالٍ وارْتِحَالٍ."أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"وهو المُسَافِرُ؛ فَمَا أنْتَ فِي دُنْيَاكَ إلاّ مُسَافِرٍ إلى وَطَنِكَ الحَقِيقِيِّ وهو الدَّارُ الآخِرَةُ، ومَا هذه الأيَّام والسُّنُون والأَعْوَام إلاّ مَرَاحِلَ العُمُرِ التي تَنْتَهِي بِكَ إلى أَجَلِكَ المَحْتُومُ الذي لا تَدْرِي مَتَى يَأتِي! وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ:"إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ"أيْ لا تُؤخِرَ عَمَلًا مِنَ الطَّاعَاتِ إلى الصَّبَاحِ، فَلَعَلَّكَ تَكُونُ فِي لَيْلَتِكَ من أهْلِ القُبُورِ"وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ"أيْ فَلا تُؤخِرَ عَمَلَ الخَيْرِ إلى المَسَاءِ فَقَدْ تُعَاجِلُكَ المَنُونُ"وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ"قال ابن رجب:"معناه اغتنم الأعمال الصَّالِحة فِي الصِّحَة قبل أنْ يحولَ بينك وبينها السَّقَمُ، وفِي الحَيَاةِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَهَا المَوْتُ"اهـ (1) ."وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ"أي واغتنم في حياتك الدُّنْيَا ما ينفعك بعد موتك، كما قال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّه ينبغي للعَاقِلِ أنْ لا يغتر بالدُّنْيَا ويجعلها أكبر هَمِّه، بل يفكر في مصيره ورحيله عنها إلى دار القرار، فما هو إلاّ عابرُ سبيلٍ، وقد قال الشاعر:
سَبيْلُكَ في الدُّنْيَا سَبيلُ مسافِر ... وَلَا بُدَّ مِنْ زَادٍ لكلِّ مُسَافِرِ
وقال آخر (2) :
وَمَا هَذ الأيَّامُ إلَّا مراحِلٌ ... تَمُر وَتُطْوَى والمُسَافِرُ قَاعِدُ