فهرس الكتاب

الصفحة 2476 من 2668

أولًا: إثبات العدوى، أي سريان المرض وانتقاله من المريض إلى الصَّحيح عن طريق انتقال الميكروب من جسم لآخر في الأمراض الجرثومية من: الجُذامِ والبَرَصِ والسُّلِ وغيرها. والنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ يأمرنا بالفرار من المجذوم، فإِنَّمَا يأمرنا بوجوب الحيطة وإبعاد السَّليم عن مواطن الخطر على ما جرت به العادة وقد وَرَدَتْ عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثير من الإرشادات الطبية التي يوجهنا فيها إلى الطِّبِّ الوِقَائِيِّ ومن ذلك نهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دخول الأرض الموبوءة بالطَّاعون:"فَمَنْ سَمِعَ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا يَقْدَمْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ هُوَ بِهَا فَلَا يَخْرُجَنَّ فِرَارًا مِنْهُ"؛ وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ؛ إلى غير ذلك.

ثانيًا: أَنَّ العَدْوَى فِي الحقيقة من الأسباب الظَّاهِرَةِ التي لا تُؤثِّرُ بِطَبْعِهَا، فإنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ حدوث المرض مع المخالطة، كما يشاهد ذلك كثيرًا، وهذا دَلِيلٌ على أَنَّ الميكروب لا يُؤثِّرُ فِي السَّلِيمِ بِنَفْسِهِ ولا يتمكن من الدُّخُولِ إلى جِسْمِهِ وإصَابَتِهِ إلاّ بإذْنِ اللهِ؛ وهو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ عَدْوَى". قال ابن القيم:"وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَدَنِ تَهَيُّؤٌ وَاسْتِعْدَادٌ كَامِنٌ لِقَبُولِ هَذَا الدَّاءِ، وَقَدْ تَكُونُ الطَّبِيعَةُ سَرِيعَةَ الِانْفِعَالِ قَابِلَةً لِلِاكْتِسَابِ مِنْ أَبْدَانِ مَنْ تُجَاوِرُهُ وَتُخَالِطُهُ، فَإِنَّهَا نَقَّالَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ خَوْفُهَا مِنْ ذَلِكَ وَوَهْمُهَا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ إِصَابَةِ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَهَا، فَإِنَّ الْوَهْمَ فَعَّالٌ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ، وَقَدْ تَصِلُ رَائِحَةُ الْعَلِيلِ إِلَى الصَّحِيحِ فَتُسْقِمُهُ، وَهَذَا مُعَايَنٌ فِي بَعْضِ الْأَمْرَاضِ، وَالرَّائِحَةُ أَحَدُ أَسْبَابِ الْعَدْوَى، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اسْتِعْدَادِ الْبَدَنِ وَقَبُولِهِ لِذَلِكَ الدَّاءِ"اهـ (11) .

ثالثًا: مشروعية الطِّبِّ الوِقَائِيِّ، واتِّخَاذ أسْبَابِ السَّلامَةِ من الجراثيم والميكروبات، والمحافظة على الصِّحَّةِ العَامَّةِ. قال فِي"فتح المجيد":"والعَبْدُ مَأمُورٌ باتِّقَاءِ أَسْبَابِ الشَرِّ إذا كان فِي عَافِيَةٍ، فكما أنَّه يُؤْمَرُ أنْ لا يُلْقِي نَفْسَهُ فِي المَاءِ، أو فِي النَّارِ مِمَّا جَرَتِ العَادَةُ أنَّهُ يُهْلِكُ أو يَضُرُّ، فكذلك اجْتِنَابِ مُقَارَبَةِ المَرِيضِ، والقُدُومِ على بَلَدِ الطَّاعُونِ فَإِنَّ هذه كُلّهَا أسْبَابٌ للمَرَضِ والتَّلَفِ، واللهُ سُبْحَانَهُ هو خَالِقُ الأَسْبَابِ ومُسَبِّبَاتِهَا، لا خَالِقَ غَيْرُهُ، ولا مُقَدِّرَ غَيْرُهُ" (12) .

رابعًا: دَلَّ هذا الحَدِيثُ على تَحْرِيمِ التَّشَاؤمِ بِجَمِيعِ أنْوَاعِهِ وصِوَرِهِ، وهو مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:"وَلاَ صَفَرَ". فَإِنَّ التَّشَاؤمَ بِأيِّ نَوْعٍ من هذا أو غيره مُحَرَّمٌ شَرْعًَا، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عنه.

قال ابن القيم فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلاَ طِيَرَةَ":"وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يكون نَفْيًا وَأَن يكون نَهْيًا؛ أيْ لَا تَطَيَّرُوا. وَلَكِن قَوْلَهُ فِي الحَدِيثِ:"لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ"يَدُلُّ على"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت