"وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ (7) كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ"أيْ ابْتَعِدْ عنه احْتِيَاطًَا واحْتِرَازًَا من العَدْوَى، وطَلَبًَا للسَّلامَةِ من الميكروب الذي قَدْ يَنْتَقِلُ إليك مَصْحُوبًَا بذلك المرض الخبيث؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ رَبَطَ الأَسْبَابَ بِمُسَبِّبَاتِهَا، وهو خالقها. قال الحافظ فِي"الفتح":"قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ وَالْفِرَارُ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالْأَكْلُ مَعَهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ"اهـ.
وَقَالَ ابن القيم رحمه الله:"الْجُذَامُ: عِلَّةٌ رَدِيئَةٌ تَحْدُثُ مِنَ انْتِشَارِ الْمِرَّةِ السَّوْدَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ، فَيَفْسُدُ مِزَاجُ الْأَعْضَاءِ وَهَيْئَتُهَا وَشَكْلُهَا، وَرُبَّمَا فَسَدَ فِي آخِرِهِ اتِّصَالُهَا حَتَّى تَتَأَكَّلَ الْأَعْضَاءُ وَتَسْقُطَ وَيُسَمَّى دَاءَ الْأَسَدِ. وَفِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْأَطِبَّاءِ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لِكَثْرَةِ مَا تَعْتَرِي الْأَسَدَ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تُجَهِّمُ وَجْهَ صَاحِبِهَا وَتَجْعَلُهُ فِي سَحْنَةِ الْأَسَدِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَفْتَرِسُ مَنْ يَقْرَبُهُ، أَوْ يَدْنُو مِنْهُ بِدَائِهِ افْتِرَاسَ الْأَسَدِ. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِنَ الْعِلَلِ الْمُعْدِيَةِ الْمُتَوَارَثَةِ، وَمُقَارِبُ الْمَجْذُومِ، وَصَاحِبِ السُّلِّ يَسْقَمُ بِرَائِحَتِهِ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَنُصْحِهِ لَهُمْ، نَهَاهُمْ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُعَرِّضُهُمْ لِوُصُولِ الْعَيْبِ وَالْفَسَادِ إِلَى أَجْسَامِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ" (8) . ويشير إلى ذلك قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحديث:"وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ"اهـ.
يقول الدكتور عادل الأزهري:"وخطورة هذا المرض في إتلاف الأعصاب المتطرفة فيفقد المريض حساسية الأطراف أولًا، ثم تتساقط الأصابع تدريجيًا، وهو من الأمراض المعدية التي تنتقل عدواها من النَّفَس مع المخالطة الطويلة، ويعزل الآن جميع مرضى الجذام في مصحات خاصة لهم لمنع انتشار المرض"اهـ (9) .
"ويتميّز عن الأمراض المعدية ببطء ظهور أعراضه، وطول فترة الإصابة به، وطول مدة علاجه، وكان يُظَنُّ أنَّه وراثيٌ، ثم تبيّن بعد انكشاف ميكروبه أنَّه مرضٌ ميكروبيٌ معدٍ ينتقل بالملامسة والمعاشرة، والخلطة الطويلة، وتخرج الميكروبات من جلد المريض مع إفرازات الأنف والحنجرة كما تنتقل العدوى عن طريق الملابس والفراش والأدوات، وتدخل إلى السليم عن طريق الجلد خصوصًا إذا كان به جروح، ثم تأخذ طريقها بواسطة الأوعية إلى الغدد اللمفاوية البلغمية، فتكمن هناك لمدة تختلف من بضعة أشهر إلى سنوات، حتى إذا ما ضعفت مقاومة الجسم الطبيعية إِثرْ مرضٍ عارضٍ كالحميات أو الأمراض التَّنَاسُلية ينشط الميكروب بعد خموله، ويتكاثر مبتدئًا بالأعصاب أولًا، ثم الجلد ثم الأغشية المخاطية"اهـ (10) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: