"وَلاَ طِيَرَةَ"على وَزْنِ (عِنَبَة) بِكَسْرِ الطَّاءِ وفتح اليَاءِ. أيْ لا حَقِيقَةَ للشُّؤْمِ والنَّحْسِ الذي كان العَرَبُ يَعْتَقِدُونَهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ عندما تَتَوَجَّهُ الطَّيْرُ شِمَالًا، وذلك أنَّهُم كانوا إذا أَرَادُوا عَمَلًا أو سَفَرًَا زَجَرُوا الطَّيْرَ الذي يُلاقُونَهُ، فإذا انْصَرَفَ يَمِينًَا تَفَاءَلوا، وإلا تَشَاءمُوا، ورَجَعُوا عن ذَلِكَ العَمَلِ، اعْتِقَادًَا منهم أنَّهُ شَرٌّ. والمُرَادُ من الحديث نَفْيُ مُطْلَقِ التَّشَاؤمِ من أيِّ شَيْءٍ من الأَشْيَاءِ التي يَتَخَيَّلُها بَعْضُ النَّاسِ نَحْسًَا وشَرًَّا، كَأَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةً قَبِيحَةً فَيَكْرَهُ الشَّيْءَ الذي هو قَادِمٌ عليه فَيَنْصَرِفُ عنه لِمُجَرَّدِ وَهْمٍ كَاذِبٍ لا أَسَاسَ له من الصِّحَّةِ. قال القاري: وقوله:"وَلاَ طِيَرَةَ"نَفْيٌّ، معناه النَّهْيُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لاَ رَيْبَ فِيهِ) أيْ لا تَتَشَاءمُوا من شَيْءٍ أبَدًَا، وتَعْتَقِدُوا فيه الشَّرِّ والضَّرَرِ لِمُجَرَّدِ خَيَالِ كَاذِبٍ لا أَسَاسَ له من الصِّحَّةِ، فَإِنَّ ذلك لا يَجُوزُ شَرْعًَا ولا عَقْلًا ..
(وَلَا هَامَةَ) :"بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهِيَ اسْمُ طَيْرٍ يَتَشَاءَمُ بِهِ النَّاسُ وَهِيَ الصَّدَى، وَهُوَ طَيْرٌ كَبِيرٌ يَضْعُفُ بَصَرُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَطِيرُ بِاللَّيْلِ، وَيُصَوِّتُ وَيَسْكُنُ الْخَرَابَ، وَيُقَالُ لَهُ: بُومٌ، وَقِيلَ: كَوْفٌ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ إِذَا بَلِيَتْ وَعَدِمَتْ تَصِيرُ هَامَةً، وَتَخْرُجُ مِنَ الْقَبْرِ وَتَتَرَدَّدُ وَتَأْتِي بِأَخْبَارِ أَهْلِهِ، وَقِيلَ: كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقَتِيلِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِثَأْرِهِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَقُولُ: اسْقُونِي اسْقُونِي، فَإِنْ أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ، فَأَبْطَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الِاعْتِقَادَ"اهـ (3) . وقال فِي"شرح السيوطي على مسلم":"وَفِيه تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا: أَن الْعَرَب كَانَت تتشأم بالهامة وَهِي الطَّائِر الْمَعْرُوف من طير اللَّيْل وَقيل هِيَ البومة كَانَت إِذا سَقَطت على دَار أحدهم يَرَاهَا ناعية لَهُ نَفسه أَو بعض أَهله؛ وَهَذَا تَفْسِير مَالك. وَالثَّانِي: أَن الْعَرَب كَانَت تعتقد أَن عِظَام الْمَيِّت وَقيل روحه تنْقَلب هَامة تطير قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا تَفْسِير أَكثر الْعلمَاء وَهُوَ الْمَشْهُور قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يكون المُرَاد النَّوْعَيْنِ وأنَّهُما جَمِيعًا باطلان"اهـ (4) . فأبطل اللهُ تَعَالَى كل هذه الاعتقادات، ونَهَانَا عنها. قال أيْضًا فِي"المرقاة":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: قَالَ بَقَيَّةُ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ رَاشِدٍ عَنْهُ؟ قَالَ: كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِ صَفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا صَفَرَ"قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحِلُّونَ صَفَرًا عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا صَفَرَ"اهـ (5) . قَالَ النَّوَوِيُّ:" (ولا صَفَرَ) فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ تَأْخِيرُهُمْ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ وَهُوَ النَّسِيءُ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ؛ وَالثَّانِي أَنَّ الصَّفَرَ دَوَابٌّ فِي الْبَطْنِ وَهِيَ دُودٌ؛ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي الْبَطْنَ دَابَّةً تَهِيجُ عِنْدَ الْجُوعِ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ صَاحِبَهَا. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَرَاهَا أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قال مطرف وبن وهب وبن حَبِيبٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَخَلَائِقُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَاوِي الْحَدِيثِ فَيَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُه"اهـ (6) ."