أَنَّ المُرَادَ النَّفْي وَإِبْطَال هَذِه الْأُمُورِ الَّتِى كَانَت الْجَاهِلِيَّةُ تُعَانِيهَا؛ وَالنَّفْي فِي هَذَا أبْلَغُ من النَّهْي لِأَنَّ النَّفْي يَدُلُّ على بُطْلَانِ ذَلِك وَعدم تَأْثِيرِهِ والنَّهْي إِنَّمَا يَدُلُّ على الْمَنْع مِنْهُ" (13) ."
قلت: والنَّفْي هنا يَتَضَمَّنُ معنى النَّهْي وزيادة لأنَّه يكون معناه: لا تعتقدوا هذه الاعتقادات الوَهْمِيَّةِ، لأَنَّ هذه الأَشْيَاء التي تَعْتَقِدُونَهَا بَاطِلَةً لا وجود لها فِي الوَاقِعِ، ولا أسَاسَ لَهَا من الصِّحَّةِ، والوَاجِبُ على العَبْدِ المُسْلِمِ إذا أَحَسَّ بأيِّ انْفِعَالٍ تَشَاؤمِيٍّ أو تَخَيَّلَ وُقُوع شَرٍّ بِسَبَبِ هذه الأشْيَاء الوَهْمِيَّةِ كَنَعِيقِ الغُرَابِ، أو صَوْتِ البُومِ، أو نَبْحِ الكِلابِ، أَنْ لا يَسْتَسْلِم لذلك الشُّعُورِ وأَنْ يَسْتَعِيذَ باللهِ من الشَّيْطَانِ حَتَّى يَصْرِفَهُ عنه، ولا يَصُدَّهُ ذلك عن العَمَلِ الذي يُرٍيدَهُ، كما رُوِيَ عن مُعَاوِيَةَ بْنَ الحَكَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ! قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ" (14) فَقَدْ أَمَرَهُم أنْ يأتوا الأعْمَالَ التي تَشَاءَمُوا منها، ويفعلوها، ولا يَمْنَعُهُم هذا الشُّعُورِ عَنْهَا، وأرْشَدَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بعض الأدعية المأثورة لمكافحة التَّشَاؤمِ، فقد روي عن عروة بن عامر قال:"سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطِّيَرَةِ فَقَالَ: أَصْدَقُهَا الْفَأْلُ، وَلا تَرُدُّ مُسْلِما، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَقُولُوا:"اللَّهُمَّ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ" (15) ، فإنَّ فِي هذا الدُّعَاءِ البَلْسَمِ الشَّافِيِّ من التَّشَاؤمِ."
ويَدْخُلُ فِي التَّشَاؤمِ، التَّشَاؤمُ بِبَعْضِ الأَشْهُرِ واللَّيَالِي والأيَّامِ، ومن ذلك التَّشَاؤمُ بيَوْمِ الأَرْبِعَاءِ وبِشْهَرِ شَوَّالٍ حيث كانوا يَتَشَاءَمُونَ من النِّكَاحِ فيه خَاصَّةً، وأمّا حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"حيث قَالَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى (أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) الأَيَّامُ كُلُّهَا خَلَقَ اللَّهُ بَعْضَهَا سعود، وبعضها نحوس، وَمَا مِنْ شَهْرٍ إِلا وَفِيهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ. إِلَى أَنْ قَالَ: يوم الأَرْبِعَاءِ إِذَا كَانَ آخِرَ الشَّهْرِ فَذَاكَ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"قال ابن حجر: هذا كَذِبٌ على ابْنِ عَبَّاسٍ لا تَحِلُّ رِوَايَتَهُ"اهـ (16) . وأما النِّكاح فِي شَوَّالٍ فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"تَزَوَّجَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟! وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ"تُرِيدُ رَدَّ ما اشْتَهَرَ من كَرَاهِيَةِ التَّزَوُّجِ فِي شَوَّالٍ"اهـ (17) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ".
(1) "فتح الباري"للحافظ ابن حجر ج 10. قال الحافظ فِي ص 160:"فَحَيْثُ جَاءَ لَا عَدْوَى كَانَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مَنْ قَوِيَ يَقِينُهُ وَصَحَّ تَوَكُّلُهُ بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ اعْتِقَادَ الْعَدْوَى كَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ التَّطَيُّرَ الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ لَكِنَّ الْقَوِيَّ الْيَقِينِ لَا يَتَأَثَّرُ بِهِ وَهَذَا مِثْلُ مَا تَدْفَعُ قُوَّةُ الطَّبِيعَةِ الْعِلَّةَ فَتُبْطِلُهَا وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَكْلِ الْمَجْذُومِ مِنَ الْقَصْعَةِ وَسَائِرِ مَا وَرَدَ مِنْ جِنْسِهِ وَحَيْثُ جَاءَ فِرَّ مِنَ"