ويَعَمْلُ الفَصْدُ بِوَاسِطَةِ إِبْرَةٍ وَاسِعَةِ القَنَاةِ، تَدْخُل فِي وَرِيدِ ذِرَاعِ المَرِيضِ وهذه العَمَلِيَّةِ البَسِيطَةِ أَنْقَذَتْ حَيَاةَ كَثِيرٍ من مَرْضَى هُبُوطِ القَلْبِ فِي الحَالاتِ الأَخِيرَةِ"اهـ."
واخْتَلَفَ الأَطِبَّاءُ فِي الحِجَامَةِ على نُقْرَةِ القَفَا، وَمِمَّنْ كَرِهَهَا صَاحِبُ «الْقَانُونِ» وَقَالَ:"إِنَّهَا تُورِثُ النِّسْيَانَ حَقًّا، كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا وَصَاحِبُ شَرِيعَتِنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُؤَخَّرَ الدِّمَاغِ مَوْضِعُ الْحِفْظِ، وَالْحِجَامَةُ تُذْهِبُهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ آخَرُونَ، وَقَالُوا: الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ، وَإِنْ ثَبَتَ فَالْحِجَامَةُ إِنَّمَا تُضْعِفُ مُؤَخَّرِ الدِّمَاغِ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَتْ لِغَلَبَةِ الدَّمِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا نَافِعَةٌ لَهُ طِبًّا وَشَرْعًا، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ احْتَجَمَ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ مِنْ قَفَاهُ بِحَسْبِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ، وَاحْتَجَمَ فِي غَيْرِ الْقَفَا بِحَسْبِ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ حاجته"اهـ (10) . قال الحافظ فِي"الفتح":" (أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ بن سِيرِينَ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَحْتَجِمْ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ حِينَئِذٍ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمُرِهِ وَانْحِلَالٍ مِنْ قُوَى جَسَدِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهْيًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ"اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْ بِهِ) اهـ (11) . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذلك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"احتجم بعد هجرته إلى المدينة"وكان قَدْ تَجَاوَزَ الخَمْسِينَ من عُمُرِهِ فَضْلًا عن الأَرْبَعِينَ.
الثالث من أنْوَاعِ الأَدْوِيَّةِ"الْكَيُّ": وذلك كما قَالَ ابن القيم:"لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمَادِّيَّةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَادًّا فَيَكُونَ سَرِيعَ الْإِفْضَاءِ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُزْمِنًا، وَأَفْضَلُ عِلَاجِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْرَاغِ الْكَيُّ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْكَيُّ"اهـ (12) .
ثانيًا: دَلَّ هذا الحديثُ على أَنَّ الْكَيَّ مَكْرُوهٌ أو خِلافُ الأَوْلَى لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه فِي قَوْلِهِ:"وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ"وأَقَلّ مُقْتَضِيَاتِ النَّهْيِّ الكَرَاهَة. قال بعض أهل العلم: يُكْرَهُ الكَيُّ فِي حَالَتَيْنِ كما قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ:"الْكَيُّ جِنْسَانِ: كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنْ اكْتَوَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ عَنْ نَفْسِهِ. وَالثَّانِي: كَيُّ الْجُرْحِ إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ دَمُهُ بِإِحْرَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَالْعُضْوُ إذَا قُطِعَ فَفِي هَذَا الشِّفَاءُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْكَيُّ لِلتَّدَاوِي الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَنْجَحَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْجَحَ فَإِنَّهُ إلَى الْكَرَاهَةِ أَقْرَبُ"اهـ (13) . لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الجِسْمِ، وتَشْوِيهِ الصُّوْرَةِ، سيما إذا كان فِي الْوَجْهِ أو الرَّأسِ أو اليَدَيْنِ.
أمَّا إذا تَعَيَّنَ الكَيُّ وأصْبَحَ ضَرُورَةً لا بُدَّ مِنْهَا، فإنَّهُ يَجُوزُ فِي هذه الحَالَةِ دُونَ أَيِّ كَرَاهَةٍ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قَالَ:"بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وفِي رِوَايَةٍ:"رُمِيَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَوْمَ"