الثَّانِي: الحِجَامَةُ والفَصْدُ أيْضًَا، وذلك لِعِلاجِ الأَمْرَاضِ الدَّمَوِيَّةِ. قال ابن القيم:"وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْفَصْدَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: «شَرْطَةِ مِحْجَمٍ» . فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ حَارًّا، عَالَجْنَاهُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ، بِالْفَصْدِ كَانَ أَوْ بِالْحِجَامَةِ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِفْرَاغًا لِلْمَادَّةِ، وَتَبْرِيدًا لِلْمِزَاجِ. وَإِنْ كَانَ بَارِدًا عَالَجْنَاهُ بِالتَّسْخِينِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْعَسَلِ"اهـ (3) . وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ؛ وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نِعْمَ العَبْدُ الحَجَّامُ، يُذْهِبُ الدَّمَ، ويُجَفِّفُ الصُّلْبَ، ويَجْلو عن البَصَرِ (4) ". وأضاف:"وَقَدْ نَصَّ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْبِلَادَ الْحَارَّةَ الْحِجَامَةُ فِيهَا أَنْفَعُ وَأَفْضَلُ مِنَ الْفَصْدِ، وَتُسْتَحَبُّ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، وَبَعْدَ وَسَطِهِ"، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِ أَدْوَاءٍ لِصَاحِبِهَا: مِنَ الْجُنُونِ، وَالصُّدَاعِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالنُّعَاسِ، وَوَجَعِ الْأَضْرَاسِ، وَظُلْمَةٍ يَجِدُهَا فِي عَيْنَيْهِ"قال الشيخ الأَلْبَانِيّ:"مَوْضُوعٌ" (5) ، وفي الحديث:"مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا فِى رَأْسِهِ إِلاَّ قَالَ احْتَجِمْ، وَلاَ وَجَعًا فِى رِجْلَيْهِ إِلاَّ قال: اخْضِبْهُمَا"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ وهو حسن (6) . قَالَ العَيْنِيُّ:"وعنِ ابنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ لا بأسَ بِهِ يرفعه:"الْحِجَامَةُ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَتَزِيدُ فِي الْحِفْظِ، وتزيد الحافظ حفظًا"ولكن ضعَّفه الأَلْبَانِيّ (7) ."
وقال ابن القيم:"وَالْحِجَامَةُ تَحْتَ الذَّقَنِ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ وَالْوَجْهِ وَالْحُلْقُومِ، إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي وَقْتِهَا، وَتُنَقِّي الرأس وَالْفَكَّيْنِ". وَ"الْحِجَامَةُ فِي أَسْفَلِ الصَّدْرِ نَافِعَةٌ مِنْ: دَمَامِيلِ الْفَخِذِ، وَجَرَبِهِ، وَبُثُورِهِ، وَمِنَ النِّقْرِسِ، وَالْبَوَاسِيرِ، وَالْفِيلِ، وَحَكَّةِ الظَّهْرِ. وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْأَخْدَعَيْنِ، تَنْفَعُ مِنْ أَمْرَاضِ الرَّأْسِ، وَأَجْزَائِهِ، كَالْوَجْهِ، وَالْأَسْنَانِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ، وَالْأَنْفِ، وَالْحَلْقِ إِذَا كَانَ حُدُوثُ ذَلِكَ عَنْ كَثْرَةِ الدَّمِ أَوْ فَسَادِهِ، أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا"اهـ (8) . قَالَ أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ وَالكَاهِلِ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والتِّرْمِذِيّ وحسنه (9) .
يقول الدكتور عادل الأزهرى فِي تعليقه على"الطِّبِّ النَّبَوِيِّ":"الحِجَامَاتُ على نَوْعَيْنِ: حِجَامَاتٌ جَافَّةٌ، وَحِجَامَاتٌ رَطِبَةٌ، وتَخْتَلِفُ الرِّطْبَةُ عن الجَافَّةِ بِالتَّشْرِيطِ قَبْلَ وَضْعِ الحجامات، وتُسْتَعْمَلُ الجَافَةُ إلى الآن لِتَخْفِيفِ الآلامِ فِي العَضَلاتِ، خُصُوصًَا عَضَلاتِ الظَّهْرِ نَتيجة إصابتها بالرُّومَاتِيزْم. أمَّا الحجامة الرَّطْبَةِ فتستعمل فِي بعض حالات هبوط القلب المَصْحُوبَةِ بارْتِشَاحٍ فِي الرِّئَتَيْنِ. وتُعْمَلُ على ظهر القَفَصِ الصَّدْريِّ. أمَّا الفَصْدُ فيستعمل الآن فِي حالات هبوط القلب الشَّدِيدِ المَصْحُوب بِزُرْقَةٍ فِي الشَّفَتَيْنِ، وعُسْرٍ شَدِيدٍ فِي النَّفَسِ،"