أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تُكْمِلَ عِدَّتَهَا، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابُهُ: هَذَا أحسن الطَّلَاقِ، وَله قَوْلٌ آخَرَ: إِنَّهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا طَلَّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً؛ وَكِلَاهُمَا عِنْد الْكُوفِيّين طَلَاقُ سُنَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ، .... وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، لَيْسَ فِي عَدَدِ الثَّلَاثَةِ سُنَّةً وَلَا بِدعَة وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْوَقْتِ"اهـ (3) ."
(ب) الطَّلَاقُ الْبِدْعِيُّ: وهو مَا خَالَفَ المَشْرُوعَ، كَأَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَيْضٍ أوْ بعد جِمَاعٍ؛ أو دُونَ إِشْهَادٍ. وأَجْمَعَ العُلَمَاءُ على أَنَّ الطَّلاقَ البِدَعِي حَرَامٌ، وأَنَّ فَاعِلَهُ آثِمٌ. وقال فِي"الموسوعة الفقهية الميسرة":"الطَّلَاقُ الْبِدْعِيُّ: هو أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَيضٍ أو نِفَاسٍ أو فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فيه ولا يدري أَحَمَلَتْ أم لا؟ أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلاثًَا فَيَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًَا. أو يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ"اهـ (4) .
ثالثًا: دَلَّ هذا الحديث على أَنَّ الطَّلاقَ فِي الحَيْضِ يَقَعُ ويَصِحُّ ويُحْسَبُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ ابْنَ عُمَرَ بِمُراجعتها، والمراجعة لا تكون إلاّ بعد طلاق (5) ، وهذا قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة.
قال فِي"الحاوي الكبير":"فَمَوْضِعُ الدَّليل منه أنَّه أَمْرَهُ بِالرَّجْعَةِ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَاقِ. فَإِنْ قِيلَ أَمْرُهُ بِالرَّجْعَةِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ بِرَدِّهَا إِلَيْهِ. قُلْنَا: هَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ:"
أَحَدُهَا: أِنَّ الرَّجْعَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ تَنْصَرِفُ إِلَى رَجْعَةِ الطَّلَاقِ.
وَالثَّانِي: أِنَّهُ مَا ذَكَرَ إِخْرَاجَهَا فَيُؤْمَرُ بِرَدِّهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الطَّلَاقَ وَكَانَ مُنْصَرِفًا إِلَى رَجْعَتِهَا.
وَالثَّالِثُ: أِنَّ الْمُسْلِمِينَ جَعَلُوا طَلَاقَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا أَصْلًا فِي طَلَاقِ الرَّجْعَةِ وَحُكْمِ الْعِدَّةِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ وَلَمْ يَتَأَوَّلُوا هَذَا التَّأْوِيلَ فَبَطَلَ بِالْإِجْمَاعِ"اهـ (6) . (وذَهَبَ بَعْضُ العُلَمَاءِ ومنهم شَيْخُ الإِسْلامِ(ابن تيمية) وتِلْمِيذُهُ (ابن القيم) إلى أَنَّ الطَّلاقَ لاغٍ لا يَقَعُ، واسْتَدَلُّوا على ذلك بِمَا رواه أبو داود والنَّسَائِيّ:"إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا" (7) ، وقد اسْتَنْكَرَ العُلَمَاءُ هذا الحَدِيثُ لِمُخَالَفَتِهِ الأحاديث كلها) اهـ (8) . قال فِي"التلخيص الحبير":"وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ:"فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا"، قَالَ أَبُو دَاوُد الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ هَذَا، يَعْنِي أَنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو الزُّبَيْرِ فَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ