وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُبْطِلَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَازِمٌ، وَمَا عَدَاهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلَا يَتَعَدَّى نَقْصُهُ إلَى الْوَلَدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ لَا غَيْرُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَقَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ فَتَكُونُ سِتَّةً. وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ إلَّا فِي الصَّنْعَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ"اهـ (2) ."
وقال ابن قدامة:"وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ، قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"لَأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ. قَالَ: قُلْت: وَمَا الْأَكْفَاءُ؟ قَالَ فِي الْحَسَبِ"رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، بِإِسْنَادِهِ (1) . وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعُدُّونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا. فَإِذَا أَطْلَقْتَ الْكَفَاءَةَ، وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى الْمُتَعَارَفِ، وَلِأَنَّ فِي فَقْدِ ذَلِكَ عَارًا وَنَقْصًا، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْكَفَاءَةِ كَالدِّينِ".
وقال أيضًا:"وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَدَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ غَيْرَ قُرَيْشٍ مِنْ الْعَرَبِ لَا يُكَافِئُهَا، وَغَيْرَ بَنِي هَاشِمٍ لَا يُكَافِئُهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» . وَلِأَنَّ الْعَرَبَ فُضِّلَتْ عَلَى الْأُمَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرَيْشٌ أَخَصُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ أَخُصُّ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:"لَا تُكَافِئُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ وَلَا الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقُرَيْشٌ كُلُّهُمْ أَكْفَاءٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ". وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَالْعَجَمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُثْمَانَ، وَزَوَّجَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ زَيْنَبَ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ عُمَرَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ"اهـ (3) . واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ على اشْتِرَاطِ الحُرِيَّةِ فِي الكَفَاءَةِ بِمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ من تَخْيِيرِ الأُمَّةِ إذا أُعْتِقَتْ كما أَشَارَ إليه ابْنُ رُشْدٍ" (4) ."
ثانيًا: إِبْطالُ التَّبَنِّي الذي كان مَعْرُوفًَا ومَعْمُولًا به فِي الجاهلية وذلك بِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ أبِي حُذَيْفَةَ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ لِمَوْلَى مع عَرَاقَةِ نَسَبِهَا وشَرَفِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ والإِسْلامِ.
(1) قال الأَلْبَانِيّ فِي"إرواء الغليل":" (قال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"لأمنعن تزوج(في الأصل"فُرُوج") ذوات